كانت الأرض التي تحتضن اليوسفية خلاء، قبل أن يخرج الفوسفاط من الأرض، لتدب الحياة فيها. حملت، في البداية اسم «لوي جانتي» بعد تحريف اسم «لويس جونتي» الجيولوجي الفرنسي الشهير الذي قام بمسح جيولوجي في المنطقة، لكن سرعان ما حملت اسم اليوسفية تيمنا بالسلطان مولاي يوسف.
تقع اليوسفية على بعد تسعين كيلومترا من أسفي، ويحدها شمالا إقليم الجديدة وجنوبا الشماعية وشرقا إقليم مراكش .أما في الجهة الغربية، فتحدها جمعة سحيم .تتميز هذه المنطقة بتوفرها على مادة تشكل من جهة عماد الاقتصاد المغربي، ومن جهة ثانية تعتبر النشاط الأساس والمهم داخل منطقة اليوسفية، وهذه المادة هي معدن الفوسفاط المستخرج من منطقة الكنتور المتوفر على أغلبية المناجم المستغلة والواقعة بمحاذاة الشماعية وقلعة السراغنة .كما تميزت منطقة الكنتور بوضعية جيولوجية سمحت لها من جهة بتوفرها على طبقات فوسفاطية في أعماق مختلفة، ومن جهة أخرى مكنتها من التوفر على احتياطي هام ساعدها في أن تُسْهمَ بإنتاج سنوي مهم جدا، أهلها في الوقت نفسه لتكون المنطقة الثانية من حيث إنتاج الفوسفاط بعد منطقة خريبكة .فكيف جاء إذن ظهور هذه المدينة؟ وما هي أهم التحولات الحضرية التي تميزت بها؟ وما هي أهم التجهيزات والبنيات التحتية التي أحدثها المكتب الشريف للفوسفاط حتى يضمن استقرار عماله لتوفير حاجيات السوق العالمية من معدن الفوسفاط؟
تأسيس المكتب الشريف
أعطى ظهير 27 يناير 1920 كامل الصلاحية للدولة للبحث عن الفوسفاط واستغلاله. ووفقا لذلك، أسس المكتب الشريف للفوسفاط كما نص على ذلك ظهير 7 غشت ،1920 ويعود تأميم المكتب الشريف للفوسفاط حسب بول موشوس (Paul Mauchausse) إلى ثلاثة أسباب: أولا، وجود ضغط على الحكومة الفرنسية من قبل الفلاحين الذين يرغبون في فوسفاط رخيص، وكانوا يتخوفون من أن تتمكن الشركة التونسية للفوسفاط بقفصة من مراقبة الفوسفاط المغربي. ثانيا، الحاجة لحماية المصالح الفرنسية ومنع الشركات الأجنبية من مراقبة الفوسفاط المغربي. ثالثا، رغبة الإقامة العامة في السيطرة على الموارد المعدنية والاستفادة بأكبر قدر ممكن من الأرباح.

أما روجي شابويسRogre Chapus” ” فيقول بأن تأسيسه جاء من أجل حمايته للحيلولة دون أن يسقط بين أيدي الدول الأجنبية الأخرى، أملا في الكسب المادي. وهكذا يعتبر أن الهدفين المالي والإيديولوجي اضطلعا بدور مهم وراء هذا التأسيس، الذي بدأ برأسمال قدره 36 مليون فرنك وازداد مع السنوات الموالية، قاده منذ التأسيس مجموعة من المدراء ويتعلق الأمر بألفريد جوزيف بوجي
(Beaugé joseph alfred) (1935-1920)، لنارت إدكار (Lenhardt Edgard) (1944-1935)، بوندان جاك أندري (Bondon jaques André) (1958-1944)، امحمد الزغاري (1958-1959)، محمد الغزاوي (1969-1965)، علي بن جلون (1967-1965)، محمد كريم العمراني (1990-1967)، محمد فتاح (1995-1990)، مراد الشريف (1999-1995) و(2006-2002)، محمد برادة (2001-1999)، إدريس جطو (2002-2001)، ومصطفى التراب (منذ 2006)، ولقد عملوا خلال ولاية كل واحد منهم على سن سياسة محكمة لاستغلال معدن الفوسفاط مما كان له الأثر على عمال المكتب من الناحيتين الاجتماعية والاقتصادية وعلى مدينة اليوسفية من خلال تحريك وانعاش العديد من القطاعات.
تسمية لوي جانتي
تفيد الإشارات الواردة في العديد من المصادر التاريخية أن “نجد الكنتور“ شكل عبر مساره التاريخي وخاصة في الفترة الحديثة من تاريخ المغرب، محورا طرقيا استراتيجيا ربط ما بين مدن دكالة القديمة، أزمور، والمدينة الغربية، وأغمات عبر بحيرة زيما، ورباط شاكر من جهة ثانية، وما بين المدن نفسها ومراكش بعدما حلت هذه الأخيرة محل أغمات عبر بحيرة زيما من جهة ثانية، وملجأً للقبائل المتمردة على البرتغال خلال توسعها في منطقة دكالة مثل أولاد عمران الجنوبية. لا يعرف بالضبط تاريخ تأسيس لوي جانتي، لكن المعروف أنها عرفت تحولا على مستوى الاسم إذ أطلقت عليها أربعة تسميات:
أولا، كشكاط وهو في الأصل اسم لوادي جاف يأتي من شرق المدينة، ويمر عبر سيدي أحمد مول الواد ثم يخترق أحياءها منها حي لبيار وحي مسعودة وحي الغدير وحي الراية وحي بومهدي وحي الريطب، ويشير مصطفى حمزة أن الاسم له أصول أمازيغية، خاصة أن ابن الزيات عند حديثه عن أحد الأولياء بالمنطقة قال: «ومنهم أبو مهدي وابن السلامة من أهل اسكلماي»، ومعناه التل العاري من النبات، وتلك حقيقة تلال نجد الكنتور فهي خالية من النباتات ومن المياه الجارية.
ثانيا، مراكش الجديد، لأنها أقرب الحواضر إلى مراكش.
ثالثا، لوي جانتي وهو في الأصل اسم المهندس الجيولوجي الفرنسي الذي اكتشف الفوسفاط بالمنطقة، وكان يسكن قرب سيدي أحمد مول الواد، وجاء من بعده المهندس نوكاريت.
رابعا: اليوسفية، وهو الاسم الحالي الذي أطلق عليها عقب زيارة السلطان محمد بن يوسف إليها سنة 1959.
دوافع تأسيس اليوسفية
تتعدد طبقات الفوسفاط بالكنتور، إذ يشبه في تركيبه وظروفه الجيولوجية فوسفاط خريبكة، لا يختلف عنه إلا في نسبة تركيزه المنخفضة بين 68% و70%، تعرضت بنيته لحركة باطنية قوية جعلت طبقاته متموجة. تم التنقيب عن رواسب الكنتور ودراساتها ما بين سنة 1922 و1924 من طرف المكتب الشريف للفوسفاط الذي أقر أنها تمتد على مسافة 120 كيلومتر، وتتراوح محتوياتها ما بين 68% و70% من فوسفاط ثلاثي الكالسيوم. ومع سنة 1928، قرر البدء في تهيئ التجهيزات لاستغلال فوسفاط الكنتور. في هذا الإطار، صدر ظهير شريف يتعلق بإحداث التجهيزات والأشغال اللازمة لاستغلال الغبار المعدني بناحية الكنتور، وكذلك السكة الحديدية الموصلة من موقع المعادن المذكور إلى مرسى أسفي. فما هي الأسباب التي كانت وراء فتح مكمن الكنتور وتأسيس مركز لوي جانتي؟
يعود إنشاء مركز لوي جانتي إلى مجموعة من الأسباب؛ من بينها الاستجابة لعدد من المستلزمات، منها التخفيف من عبء استغلال خريبكة، والاستجابة إلى طلبات الزبناء الذين يفضلون نوعا من الفوسفاط قليل الجودة، هذا إلى جانب اجتناب احتكار تركيز مجموع النشاط الفوسفاطي بالمغرب على ميناء الدار البيضاء وعلى مركز خريبكة، ومن ثمّ تفادي احتكار هذا المركز لكل التجهيزات، خاصة وأنه أصبح مركزا لتجمع العديد من الأجانب والمغاربة. بالمقابل، منح الفرصة لإنعاش ناحية أسفي من خلال تطوير مينائها الذي أنشئ به رصيف خاص لتصدير الفوسفاط، وذلك بهدف الاستجابة للطلبات المتزايدة على الفوسفاط والذي تبلغ جودته بعد الغربلة والتجفيف 70% من الفوسفاط الثلاثي.
عمل المكتب الشريف للفوسفاط على المشاركة في الميزانية الخاصة بإقامة الخط السككي الذي يربط أسفي وابن جرير، والذي يمر على طول المنجم المستعمل، هذا في وقت استمرت فيه أشغال تجهيز الميناء بكل ما يحتاجه من لوازم لشحن الفوسفاط، مع ما يرافق ذلك من بناء قرى خاصة بالعمال بعدما كانت المساكن عبارة عن براريك من الخشب والنوايل .ومن أجل ضمان إنتاجية كبرى، عمل المكتب على إقامة تجهيزات دائمة لفائدة العمال، هكذا تم اختيار موقع على بعد 20 كيلومترا من الشماعية، حيث يمر الخط الحديدي الرابط بين أسفي وابن جرير، وأطلق عليه اسم لوي جانتي، وتم استكمال أول المنازل في سنة 1931. وفي سنة 1934، أصبح مركز لوي جانتي يتوفر على 143 مسكنا و26 غرفة مشتركة يقطنها العزاب والمستخدمون القادمون من مناطق بعيدة. على عكس هذا النوع من السكن، عمل المكتب على بناء مساكن فخمة بحدائق واسعة خاصة للمهندسين، ومنازل أخرى أقل من الأولى لرؤساء الفرق العاملين، ثم حي العمال الأوربيين، وبلغ مجموع الدور السكنية التي بناها المكتب الشريف للفوسفاط، ما بين 1934 و1966، 2021 مسكن موزعة على الشكل الآتي: 27 فيلا لفائدة الأطر العليا، 435 منزل وفيلا مخصصة للأطر الأخرى، 1559 منزل عادي لفائدة العمال وتشتمل مساكن المستخدمين على جميع ضروريات الحياة، بل إن منازل الأطر كانت تحيط بكل واحدة منها حديقة مساحتها 250 متر مربع، وتشتمل على مياه الشرب والكهرباء. وتم تزويد اليوسفية ابتداءً من أكتوبر 1934 بالطاقة الكهربائية، يصل ترددها إلى 6000 فولت كما هو الحال بالنسبة لخريبكة، وأقام المكتب الشريف محوليْن للكهرباء، واحد يصل تردده إلى 6000 فولت والثاني 5500 فولت.
انطلق الاستغلال بمركز اليوسفية بواسطة عدد قليل من العمال، بلغوا ثلاثة مهندسين وطبيبا و54 مستخدما كانوا يُوظفون شهريا إلى جانب 53 مياوما، ثم عرفت اليد العاملة تطورا سنة بعد أخرى، إلى أن بدأ يُلاحَظ نوع من الاستقرار في صفوف العمال القاطنين من أصول أمازيغية أو عربية. هكذا بلغ عددهم في سنة 1948، 3617 أمازيغي مقابل 2568 عربي، وضع المكتب الشريف رهن إشارتهم مجموعة من الخدمات حيث أقام مستشفى وقاعات للعمليات وصيدلية وقاعة للكشف وقاعات خاصة للأوربيين تضم سريرين فقط، أما القاعات الخاصة بالأهالي المغاربة “فتضم عشرة أسرة في القاعة الواحدة، إضافة إلى حمامات“. كما عمل المكتب على بناء مدارس كان أولها سنة 1933؛ ضمت في البداية قاعتين ومكتبا للمدير، بلغ عدد المتمدرسين بها سبعون طفلا، ثم تطور عدد الأطفال مع مرور الوقت، وخصص لها المكتب هكتارا لبناء أقسام أخرى وخزانة. ومن أجل فك العزلة عن اليوسفية، تم ربطها بالشبكة الطرقية عبر الطريق الثانوية ابن جرير الشماعية التي تلتقي مع الطريق الرئيسية الدار البيضاء مراكش والطريق الرئيسية مراكش أسفي، كما تم ربط المركز بخط سككي يربط اليوسفية بابن جرير في انتظار استكماله مع أسفي الذي لم يتم الانتهاء منه إلا مع نهاية سنة 1935، وهو ما دفع إلى الاستعانة بالشاحنات والبغال والحمير.
أثر الفوسفاط على المدينة
أحدث اكتشاف الفوسفاط تغيرات مهمة داخل المنطقة؛ فمع بداية عملية استخراج الفوسفاط، بدأت الحياة تدب داخل المدينة، على الرغم من الظروف الطبيعية والمناخية غير الملائمة لاستقرار السكان، ويرجع الفضل في ذلك إلى مادة الفوسفاط التي مكن استغلالها من خلق فرص للشغل، وأصبحت على إثرها المنطقة عبارة عن مدينة منجمية زاخرة بالحياة، فحلت الأحياء السكنية الإسمنتية محل النوالات ودور الطوب، وارتفع على إثرها المستوى المعيشي للسكان الذين أصبح معظمهم يشتغلون بقطاع الفوسفاط، ويجنون من وراء عملهم دخلا لا بأس به مكنهم من إدخال تغييرات شملت مستوى معيشتهم، ومساكنهم وكل ما يتصل بحياتهم اليومية وبعلاقاتهم الشخصية. والجدير بالذكر أن هذا التغيير قد شمل جميع سكان المنطقة مما جعل المركز ينهض نهضة شاملة، ولم يتأخر عن هذا الركب سوى فئة قليلة جدا أعوزتهم ظروفهم الصحية عن مزاولة العمل بمناجم الفوسفاط.

كان المجال الحضري خلال مرحلة الحماية يتكون أساسا من الحي الأوربي، وقرى عمالية (زرابة وبوكراع)، إضافة الى أنوية أحياء عشوائية ظهرت بجنوب المدينة وتموقعت بعيدا عن خط السكة الحديدية، الذي أصبح يقسم المدينة إلى كتلتين مختلفتين: الأولى في الشرق أكثر تنظيما ومجهزة من طرف المكتب الشريف للفوسفاط، والثانية عشوائية وتوجد غرب السكة الحديدية التي شكلت توسعا تبعا لتزايد العمال الوافدين بغية العمل بقطاع الفوسفاط. ومن أهم الأحياء التي ظهرت خلال هذه المرحلة، العرصة، الرمل، كريان سيدي بومهدي، فيلاج مسعودة، الجبورات، السويحة، البيار، والكريان.
لقد عرف مركز اليوسفية تطورا لا من حيث البنية التحتية، ولا من حيث تلبية المصالح العمومية لخدمة السكان من بناء لمراكز الشرطة والصحة والمدارس وتوفير السكن والكهرباء والماء، إلى جانب توفير فرص الشغل وما صاحب ذلك من إقامة مرافق اجتماعية لصالح الطبقة العاملة، لكن كل ذلك لم يكن ليتناسب وقيمةَ الثروة التي يجنيها المكتب الشريف للفوسفاط من وراء ذلك، التي تأثر خلالها الإنتاج الفوسفاطي بالأزمة الاقتصادية وبفترة الحرب العالمية الثانية، وخلال فترات الإضرابات العمالية. هذه العوامل إذا أضيف لها ضعف التقنيات والوسائل التي كانت مستعملة في استخراج معدن الفوسفاط وتنشيفه ما بين 1954 و1956، بما فيها استعمال الجِمال والأطفال في عملية تنشيف الفوسفاط، انطلاقا من كل ذلك نفهم مدى محدودية استخراج الفوسفاط إذ لم تتجاوز الكميات المستخرجة 13 مليون طن على امتداد خمسة وعشرين سنة، كما نفهم مدى محدودية تطور المجال العمراني للمدينة، وضعف ساكنتها، فإذا كانت اليد العاملة تعتبر العنصر الأساس في أية عملية إنتاج، فإن ظروف العمل القاسية التي كانت سائدة آنذاك، وضعف الأجور، دفعت بالعديد من سكان المنطقة إلى الفرار من مناجم استخراج الفوسفاط والتحاقهم بأنشطتهم المفضلة: الزراعة وتربية المواشي، مما تسبب للمسؤولين الفرنسيين في كثير من الأزمات لم يتم تجاوزها إلا عن طريق جلب اليد العاملة من خارج منطقة أحمر، مما جعل مدينة اليوسفية تعرف تنوعا بشريا انعكست أثاره على سلوك وثقافة قاطنيها.
المرافق التي أحدثها المكتب
لقد أسهم اكتشاف الفوسفاط في تغيير مجال مدينة اليوسفية وهيكلتها، إذ مول المكتب منذ إنشائه العديد من المشاريع من أجل تهيئة المدينة، هم ذلك الطرق، والكهرباء، والأزقة، وجلب الماء، والسكة الحديدية، إذ كان السكن مجانيا والشيء نفسه بالنسبة للكهرباء أيضا، فالمكتب هو من كان يستخلص من السكان ثمنا رمزيا. ومن أجل أن يظل العمال في بنية جسمانية قوية، ومن أجل أن تكون لهم قابلية للعمل، عمل المكتب الشريف للفوسفاط على بناء مجموعة من المراكز الرياضية ونوادي لتجمع المستخدمين تكون في خدمتهم منها قاعات للمطالعة والتواصل، حانة، ومطعم، وقاعة للحفلات وألعاب، وكذلك تقام لفائدتهم أمسيات فنية وموسيقية. كما أقام المكتب ملاعب تشمل جل الرياضات وعُرفت اليوسفية بمسبح أصبح خاصا بالمنافسات البطولية الكلاسيكية منذ سنة .1951 كما أقيمت حمامات راقية أو محلات للدوش ببيوت ساخنة يدخلها مجانا جميع سكان القرى، وبنيت مطاحن لطحن الحبوب، وأفران لطهي الخبز. وأمام غلاء أسعار الحبوب، أسس المكتب مقتصدية لتعديل الأثمان حتى تكون في متناول العامل. كما أقام المكتب مجموعة من الحدائق، وغرس مجموعة من الأشجار لضمان التوازن الإيكولوجي، ومراكز للتزود بالبنزين والأخشاب، وبناء ممرات عمومية ومراكز للأبناك، والبريد، والشرطة…، وعمل على ضمان تزويد المركز المنجمي بالماء الصالح للشرب، وذلك بعد بناء محطتين للكهرباء تقعان على بعد خمس وثلاثين كيلومترا من اليوسفية على طريق أسفي مراكش.

ومن أجل تنظيم وضبط ساكنة المدن المنجمية ذات الأصول الإثنية المتنوعة، قام المكتب بتنظيم جديد وخاص بالجهة، ففي كل حي معدني بني من طرفه تم تجهيزه بمركب إداري، ويتم تعين رئيس القرية، الذي يكون من جنسية مغربية ويرافقه مساعد يشتغل وفقا لأوامر رئيس العمال المغاربة، ويتنقل في القرية، ويقدم تقريرا كل صباح حول مجريات الأمور يوميا.
لقد كان للاستغلال المنجمي باليوسفية دور محوري في تغير وجه مجالها، إذ أسهم في تجهيزها بمجموعة من البنيات التحتية، وتجمعات سكنية جديدة لم تكن من قبل اكتشاف الفوسفاط، وذلك للاستجابة للهجرة العمالية التي عرفتها المدينة مما جعلهما تعرف توسعا من حيث قاعدة العمال، كما أسهم في ظهور عادات وظواهر اجتماعية كانت إلى وقت قريب غير معروفة أو قليلة الانتشار، فإذا كانت السمة التي ميزت الأحياء الأوربية هي التحضر والتمدين والتحديث، فإن أحياء الأهالي ظلت السمة الغالبة عليها هي الطابع البدوي خاصة وأن العديد من العمال ظلوا يمارسون الأنشطة الزراعية رغم تواجدهم بالمدن المنجمية، بل منهم من كان مرتبطا بالدوار ولا تتعدى مدة عمله ما بين سنتين وخمسة سنوات كما يشير إلى ذلك غريغوري لازاريف وبول باسكون، فكان هاجس جمع المال للرجوع لشراء الأراضي أو الزواج والحصاد حاضرا دائما، الشيء الذي جعل المكتب الشريف للفوسفاط يعاني دائما من إشكالية الهجرة بين القرية والمدينة، من أجل تعويض المغادرين الذين وبالرغم من طابع التمدين الذي خلقه المكتب لم يكن ليغريهم عن العودة. غير أن هذا الأمر تغير بعد نيل المغرب للاستقلال، إذ اتجه معظم العمال للاستقرار بشكل نهائي شجعهم على ذلك الامتيازات التي حصلوا عليها نظير الإضرابات النقابية التي خاضتها الشغيلة الفوسفاطية.
عزيز سعيدي
باحث حاصل على الدكتوراه في التاريخ المعاصر والراهن، كلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق الدار البيضاء














































