لم أُعِرْ أي اهتمام للخبر الذي صادفته على وسائل التواصل الاجتماعي، والذي تظهر فيه صورة شاب يلبس بطريقة معاصرة قد تبدو للبعض، من ذوي الاتجاهات التقليدانية، غريبة. كان المنشور يستعيذ بالله من هذا المنظر الغريب …لكن سرعان ما انتشر الخبر نفسه على المواقع الاجتماعية بجميع أصنافها، وكأن الناس وجدت بوزًا (Buzz) كان ينقص الساحة الإعلامية، في الوقت الذي كان فيه الصمت المطبق يلف مشاورات تكوين الفريق الحكومي الجديد. أمام هذا الانتشار غير المبرر، في نظري، عدت إلى المنشور الذي صادفته أول مرة، واكتشفت أن ناشره له علاقة قرب أو انتساب إلى الحزب الإسلامي المغربي .كانت القصة في طور الانتهاء، وخصوصًا عندما اطلعت على منشور لأحد أعضاء حزب العدالة والتنمية يقول بروح الانتصار: «بعد الصنايبي (الناطق الرسمي باسم الوداد البيضاوي)، الحراك الإلكتروني المجتمعي يُسْقِطُ نحيلة، في 24 ساعة أيضًا. المغاربة، مسلمون، ضد التطبيع، والصهاينة، والانحلال». هكذا جاءت تدوينة هذا العضو الفاعل. تساءلت أولًا: من يكون الشخص الذي تحرّك الفضاء الإلكتروني، وفق التدوينة، للهجوم العنيف عليه؟
يتعلق الأمر بالمسمى عبد اللطيف نحيلة، الذي عُيّن لإدارة المركز الثقافي الجديد بمدينة سيدي قاسم، والذي قدّمه منتقدوه على أساس أنه ليست لديه الكفاءة المهنية، وأن تعيينه لم يخضع للمساطر الإدارية. لكن يبدو أنه ظهر للمحرّضين أن حجة كهذه لم يكن بمقدورها وحدها تحريك الغرائز وتأليب الشارع الإلكتروني، فلجؤوا إلى ما يحرّك المغاربة: فلسطين والأخلاق. لم أعبأ بالمسألة الأولى، لأن طرحها كان يجب أن يكون في حينه، لا أن ينتظر مؤلّبو الشارع فرصة تعيينه في الإدارة. شدّ انتباهي، على الخصوص، الجانب الذي سمّاه عضو الحزب بالانحلال، لا سيما أن الحجج التي روّجها الجمهور في الفضاء الإلكتروني كانت كلها صورًا تتعلق بالشخص، وتهمز وتلمز إلى سلوك لم يتردد البعض في وصفه بالشاذ. وهذا عمق المشكل.
أن تبحث في تلافيف الصفحة الشخصية لإنسان ما عن صور وتنشرها على الملأ للإساءة إليه، فهذا تصرف لا توازيه إلا ممارسات محاكم التفتيش. من حق المواطنين مساءلة الإدارة عن معايير التعيين والمطالبة بالشفافية واحترام القانون. لكن هذا الحق لا يمنح أحدًا ترخيصًا بالتشهير، أو بتحويل المظهر الشخصي إلى دليل على الفساد الأخلاقي. فالمظهر الخارجي لأفراد المجتمع لا يثبت انعدام الكفاءة المهنية، ولا يبرر إخضاع الأفراد لوصاية أخلاقية تنتهك حياتهم الخاصة. وإلا فسوف ننتقل إلى مستوى من المحاسبة والمراقبة الاجتماعية للأفراد وفقًا لمظاهرهم، لم نعهدها إلا عند الأنظمة الفاشية، منها ألمانيا النازية. فشرطة الأخلاق الإلكترونية تبحث عن علامات ما تسميه الانحلال، وتستخرج من الصور والملابس والحركات قرائن على انحراف مفترض. وفي الحالتين، يتحول الاشتباه إلى اتهام، ثم إلى إدانة اجتماعية، ويصبح الاختلاف تهديدًا يستوجب الإقصاء.
لقد اكتسب مفهوم الانحلال دلالة سياسية ذات خطورة كبيرة في التجربة النازية، حين استُخدمت فكرة نقاء الجماعة لتبرير الاضطهاد والتعقيم القسري وملاحقة الأفراد المختلفين ثقافيًا وفكريًا، وحتى سياسيًا. لا يعني ذلك مساواة حملة إلكترونية بجرائم النازية، بل التنبيه إلى منطق إقصائي مشترك: تحويل اختلاف الفرد إلى خطر جماعي، وتقديم إبعاده باعتباره دفاعًا عن نقاء المجتمع. ولا يتعلق الأمر بالإسلام أو المسلمين عمومًا، بل بتوظيف سياسي مخصوص للدين والأخلاق.
وتبرز هنا مسؤولية الفاعلين السياسيين الذين يشاركون في هذه الحملات أو يمنحونها الشرعية. فإذا صح أن حزب العدالة والتنمية تبنّى أو شارك بطريقة ما في التعبئة ضد هذا الشخص، فإن المسألة تتجاوز الآراء الشخصية إلى توظيف النفوذ السياسي في محاكمة أخلاقية للأفراد. كما أن الجمع بين التطبيع والصهيونية والانحلال، لا يثبت وجود علاقة ضرورية بينها، بل يؤدي وظيفة تعبويّة غايتها تحديد الأعداء واستثارة الجمهور. لكن الغريب في الأمر، وفق ما راج في بعض وسائل الإعلام، أن الإدارة سارعت إلى التنصل من مسؤوليتها، وأذعنت لسلطة الشارع الإلكتروني. ليست هذه هي المرة الأولى التي تنحني فيها الإدارة أمام جحافل البروفايلات المجهولة المتسللة وراء أسماء مستعارة على وسائل التواصل الاجتماعي. فإن صح هذا، فهل موقف الإدارة يدخل في إطار تصور مجتمعي يتوافق مع آراء جيش المواقع الإلكترونية؟ من حقنا أن نتساءل: ما هو المجتمع الذي نريد؟ مجتمع تُناقش فيه القرارات العمومية وفق القانون والكفاءة والشفافية، أم مجتمع تتحول فيه المظاهر الشخصية إلى موضوع للتفتيش، والأخلاق إلى سلاح سياسي؟ مجتمع يحل مشاكله بالطرق الديمقراطية والحوار، أم مجتمع تسيطر فيه أفكار قادمة مباشرة من القرون الغابرة؟
إن قضاء الشارع لا يحتاج إلى محكمة أو قاضٍ. تكفي صورة مصحوبة باتهام، وتعليقات تتكاثر حتى يتحول الاشتباه إلى حقيقة في نظر الجمهور، وتُسلَّم الضحية إلى الحشود الهائجة لرجمها أو صلبها أو جلدها في الفضاء العام.
موليم العروسي
مستشار علمي بهيئة التحرير








































