يستعرض محمد شقير، الباحث المهتم بالشؤون الأمنية، المحطات الأساسية في تاريخ الأجهزة السرية في المغرب، منذ نشأتها على عهد الحماية إلى التطورات التي عرفتها في عهد الاستقلال، مسلطا الضوء على الأدوار السياسية التي لعبتها هاته الأجهزة.
كان المغرب عرضة لاختراقات الاستخبارات الأجنبية خلال الفترة التي سبقت خضوعه للحماية. هل كان ثمة وعي بهذه الاختراقات لدى المخزن؟ وكيف واجهها؟
يبدو أن السلطان الحسن الأول كان مدركا للمخاطر الأجنبية التي كانت تحدق بالمغرب، وبعملية الاختراق الاستخباراتي الذي كانت تقوم به بعض الدول الطامعة في المغرب وعلى رأسها فرنسا وانجلترا وألمانيا، الشيء الذي دفعه إلى التنقل شخصيا بين مختلف ربوع السلطنة، والوقوف شخصيا على مجريات الأمور المحلية. لكن بوفاته، وصعود ابنه عبد العزيز إلى العرش، وهو ما زال يافعا، توسع مجال الاستخبارات الأجنبية بالمغرب والتي كانت تتخذ عدة أشكال سواء كانت علمية من خلال إيفاد مجموعة من السوسيولوجيين والأركيولوجيين للتعرف على التركيبة الاجتماعية والقبلية والدينية في البلاد، حيث كتابات كل من ميشو بيلير وغيره تمول من طرف هذه الجهات لدراسة مكامن الضعف في البلاد، في حين كان يبعث بخبراء عسكريين لاختراق المحيط المخزني وخلق شبكات من العلاقات مع النخبة المحيطة بالسلطان لنقل المعلومات حول ما يدور خلف أسوار القصر، بالإضافة إلى ما كانت تلعبه القنصليات في اجتذاب المحميين والحصول من خلالهم على المعلومات التي تنقل إلى السلطات المركزية لبلدانهم، وبالتالي فقد وظفت هذه المعلومات بشكل كبير في سياسة احتلال المغرب فيما بعد.
كيف نظمت إدارة الحماية الفرنسية قطاع المخابرات ضمن الأجهزة العصرية التي أحدثتها في المغرب؟
لضمان مصالح فرنسا بالمغرب ومواجهة معارضي سياستها الاستعمارية من الوطنيين، فتحت «مصلحة التوثيق الخارجي ومحاربة التجسس» الفرنسية S.E.D.C.E مكتباً خاصاً لها في الرباط في 1948، لتصفية وإسكات الأحزاب السياسية والنقابات، والتحضير للقيام بحرب سرية ضد حركات المقاومة التي انطلقت عام 1953 وجيش التحرير المغربي الذي ظهر عام 1955. وقد كانت تتوفر هذه المصلحة على شبكة واسعة من العملاء والمخبرين تتكون من عدة أشخاص تم تجنيدهم ليس فقط من بين الوطنيين المنتمين إلى حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال، ولكن من المنتمين أيضاً إلى الحزب الشيوعي المغربي والنقابة العامة للعمال والاتحاد المغربي للشغل الذي يقوده المحجوب بن الصديق. وقد كانت مهمة هذا المكتب تتحدد في تتبع كل الاجتماعات التي كان يعقدها حزب الاستقلال، سواء على المستوى المركزي في الرباط أو على المستوى الجهوي في المدن المغربية الأخرى، و في هذا السياق، فقد فتح المكتب التابع لهذه المصلحة ملفاً خاصاً بالمهدي بن بركة في تلك السنة نفسها التي بدأ فيها العمل بالمغرب، حيث تم وصف الزعيم الاستقلالي الشاب باعتباره «شاباً وطنياً يتناول الكلمة في كل اجتماع يعقده الحزب لنقد الحماية الفرنسية بالمغرب ودعوة المغاربة إلى القتال يداً بيد، باستخدام جميع الوسائل، من أجل إرغام فرنسا على منح الاستقلال للمغرب في أقرب الآجال». وقد كان المهدي بن بركة ينتقد بشدة سلطات الحماية الفرنسية، ويتكلم عن فقر الأغلبية من المواطنين المغاربة والأمية وثروات البلاد التي تحتكرها الأقلية الفرنسية، والمزارع والأراضي الخصبة التي استولى عليها، منذ 1912، المقيمون الفرنسيون والبنوك والشركات التي يديرها فرنسيون…
حاوره إسماعيل بلاوعلي
تتمة الحوار تجدونها في العدد 36 من مجلتكم «زمان»












































