أعادت اكتشافات علمية جديدة عن الأصول الجينية لسكان وادي النيل، الحديث عن الالتقاء والتقاطعات الحضرية قبل آلاف السنين ما بين سكان شمال إفريقيا، وبالتحديد ما بين مصر والمغرب.
لطالما اعتقد الباحثون أن هناك صلات ضاربة في القدم بين سكان المغرب الأقصى وسكان مصر القديمة؛ إذ نشر الأركيولوجيون والمؤرخون نظريات ترجح ذاك الترابط والتماس، بل والتعايش .لكنها ظلت مجرد فرضيات. اليوم تحدث علم الأحياء عن هذا الأمر، وأثبت وجود ترابط بين سكان المغرب وأهل النيل. ففي دراسة حديثة، أحدثت جدلا وسط الأوساط العلمية، نشرتها مجلة “ناتشير“ المرموقة تتحدث عن قرائن جديدة «تتعلق بأصول المصريين القدماء، مؤكدة وجود صلة جينية مهمة مع سكان المغرب». ويستند هذا الاكتشاف، إلى «أول تسلسل جينومي كامل لفرد مصري من عصر الدولة القديمة»، الأمر الذي يتحدى الافتراضات القديمة «ويعيد صياغة أجزاء من التاريخ الديموغرافي لوادي النيل وللمغرب كذلك». لعقود من الزمن، اعتقد علماء أن «الأصول الجينية للمصريين القدماء غلب عليها تأثيرات من الشرق الأدنى أو بشكل أوسع على سكان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى». وقد كانت هاته الدراسات الجينية السابقة، تجد نفسها أمام تحد كبير، وهو تدهور الحمض النووي في المومياءات المحنطة، مما رسم صورة مجزأة عن فترات غير مؤكدة. لكن ومع هذا البحث الجديد، خلص العلماء إلى «وجود تسلسل جينومي كامل لشخص يعتقد أنه ذو مكانة في المجتمع، دُفن قبل حوالي 4400 عام خلال عصر المملكة المصرية القديمة»، وهي فترة مهمة من تأسيس السلالة المصرية وبناء الأهرامات. وقد عثر العلماء على بقايا الشخص محفوظة بشكل جيد في مدفن جنائزي بمقبرة النويرات. أظهرت نتائج التحليل أن نسبة كبيرة من تسلسله الجيني يعود إلى شمال إفريقيا، وبالتحديد نواحي الصخيرات، بنسبة تصل إلى 77.6 بالمائة تتزامن مع العصر الحجري الحديث بالمغرب. أما باقي النتائج فأظهرت أن أصوله تترابط بأسلاف مزارعي بلاد ما بين النهرين، الشيء الذي يؤكد للعلماء الامتزاج والتفاعل الحضاري ما بين المشرق والمغرب. لكن ما هي دلالات وأبعاد هذا الاكتشاف؟
صحيح أن هذه الاكتشافات تعزز الفرضيات التي ذكرناها حول التواصل البشر والحضاري المبكر، بما فيه التمازج اللغوي أحيانا ما بين الأمازيغية ولغة المصريين القدامى. وقد فتح الاكتشاف أيضا النقاش كذلك حول الأصول المتنوعة لسكان وادي النيل. كما طرحت استفهامات حول طريقة الدفن داخل جرة فخارية، ففي هذه الحالة ظل الحمض النووي على حاله رغم طريقة الدفن غير الاعتيادية والمخالفة لطرق تحنيط الملوك وقتئذ. بالإضافة إلى ذلك، يمكن الرجوع إلى بعض الدراسات التي بحثت في التشابه بين العادات والمعتقدات القديمة بين الطرفين. تورد إحداها من طرف الباحثة هند الفقي أن الصلات الحضارية بدأت في العصر الحجري الأوسط، في زمن الحضارة “العاترية“. تؤكد الباحثة أن منطقة دكالة على سبيل المثال سافر أهلها في العصر الحجري القديم الأوسط مرورا بليبيا واستقروا بأسيوط وطيبة بمصر .وفي المقابل انتقل بعض أهل مصر قرب وادي النيل، ونزحوا كذلك إلى شمال إفريقيا في العصر الحجري الأوسط. إلى جانب ما أكده علم الوراثة حول ما توصلت إليه الأبحاث الأركيولوجية في السنوات الأخيرة، هناك اعتراضات تقول إن رجل النويرات ليس ممثلا لجميع المصريين، فهي نتائج تحليل لفرد وليس جماعة، مما يفرض المزيد من الأبحاث وتحليل جينات أخرى لسكان آخرين.














































