تمثل مدارس الريادة في المغرب إحدى ركائز خارطة الطريق 2022–2026 لإصلاح منظومة التربية والتكوين، وتُقدَّم كأداة مركزية لإعادة بناء الثقة في المدرسة العمومية، وتحقيق الجودة والنجاعة التربوية، وتمكين المتعلم من الكفايات الأساسية والعرضانية .(Transversales) وهي تُعرض في الخطاب الرسمي بوصفها تجربة مستلهمة من نماذج دولية رائدة، خاصة من شمال أوروبا، حيث تُمثل المدرسة فضاءً لتنمية روح المبادرة، والتعلم الذاتي، والقيادة، والابتكار، والتربية على القيم، في سياق يجعل المتعلم محور العملية التعليمية. إلا أن القراءة المتأنية لتجربة هذه المدارس في صيغتها المغربية تُظهر تباعدًا واضحًا بين الوعود المعلنة والتجليات الفعلية على مستوى الممارسة. ورغم استثمار الوزارة لمفاهيم بيداغوجية حديثة في تقديم المشروع، مثل التعلم النشيط، وتعزيز قدرة المتعلم على الفعل، والتقويم التكويني، والعمل التعاوني، إلا أن الممارسات الفعلية تعكس اعتمادًا ملحوظًا على مقاربات تداركية وتقويمية قادمة من سياقات تعليمية مختلفة، خصوصًا من بلدان الجنوب العالمي. من أبرز هذه الاقتباسات منهجية “Tarl”، أو التعليم حسب المستوى المناسب، التي طورتها منظمة “براثام“ الهندية، والتي تقوم على إعادة تصنيف المتعلمين في المستويات الأساسية للقراءة والحساب، بحسب تحكمهم الفعلي في الكفايات، وليس بحسب مستوياتهم الدراسية الرسمية .ورغم أن هذه المنهجية أثبتت فعاليتها في تحسين التعلمات في بعض السياقات الفقيرة والهشة، فإن تعميمها ضمن مشروع يحمل اسم “الريادة“ يطرح أكثر من سؤال حول طبيعة الغايات، ومدى الانسجام بين الخطاب والمؤشرات الواقعية. هذا التداخل بين مرجعيات متباعدة يعكس نوعًا من التهجين البيداغوجي، لا يقتصر على تعدد التأثيرات، بل يتجاوز ذلك إلى نوع من الارتباك في فلسفة الإصلاح نفسه .ففي الوقت الذي يُرفع فيه شعار تعزيز قدرة المتعلم على الفعل والابتكار، يتم على الأرض تنفيذ مقاربات وظيفية تهدف إلى تقليص العجز في الكفايات الأساسية، دون أن تترافق مع مشاريع متكاملة لتنمية التفكير النقدي، أو لتجديد العلاقة البيداغوجية داخل الفصل، أو لتكوين المدرس في أدوار جديدة تتجاوز النقل المعرفي. وهكذا، نجد أن المتعلم، الذي يُفترض أن يكون فاعلاً وشريكًا في إنتاج المعرفة، ما يزال في كثير من الحالات متلقيًا سلبيًا، موجّهًا لتعلم تقني محدود، يقيس تحصيله باختبارات معيارية، تُكرّس منطق الحد الأدنى بدل الطموح إلى التميز والإبداع. في هذا السياق، يبرز خطر انزلاق المشروع التربوي نحو منطق تطبيقي ضيق، يُكيف المدرسة مع حاجات سوق الشغل الآنية، دون أن يُعيد التفكير في وظيفتها التكوينية والثقافية والإنسانية. حيث تُصبح الكفايات مجرد أدوات تقنية لإعداد موارد بشرية قابلة للاندماج، بدل أن تكون معبرًا لبناء وعي نقدي، وشخصية مستقلة، ومواطن فاعل في مجتمعه. إن النزوع نحو تسليع التعلم، واختزال التكوين في مكتسبات قابلة للقياس، لا يراعي الجوانب الوجدانية والأخلاقية والاجتماعية التي تُشكل عمق الفعل التربوي. وتتجلى المفارقة بوضوح في استمرار التفاوتات بين مدارس تُهيئ للنخبة وأخرى تُوجه للفئات العريضة من المتعلمين، حيث تُقدم الريادة كغاية نظرية، بينما يُعاد إنتاج الهشاشة في البنية، والمحتوى، والتكوين. وفي غياب رؤية واضحة ومتكاملة حول أدوار المدرسة، تُصبح المفاهيم المستوردة مثل “الابتكار“ و“تعزيز قدرة المتعلم على الفعل“ و“الريادة“ مجرد زخرف لغوي يفتقر إلى الترجمة الواقعية، خصوصًا في ظل ضعف الاستثمار في التكوين الأساس والمستمر للأطر التربوية، وفي غياب أدوات تقويم نوعي تواكب مخرجات المشروع.
لا يكمن المشكل في استلهام النماذج الدولية الناجحة، بل في عدم ملاءمة هذه النماذج للسياق الوطني، أو في توظيفها كخطاب تسويقي لا يخفي استمرارية اختلالات بنيوية عميقة. إن المدرسة المغربية، لكي تنهض فعلًا بوظائفها، تحتاج إلى تصور تربوي منسجم، يدمج الأبعاد المعرفية والقيمية والمهارية، ويرتكز على خصوصيات المتعلمين، ولغاتهم، وتطلعاتهم، ويعيد الاعتبار لمكانة المدرس، ويضمن فعلًا تربويًا ذا معنى، لا مجرد تنفيذ تقني لمقاربات مستوردة. إن مشروع “مدارس الريادة“، بما يحمله من وعود وطموحات، يظل في حاجة إلى وضوح في الأهداف، وتدقيق في المرجعيات، وانسجام في التطبيق، ليُصبح بالفعل مشروعًا للتحول التربوي، لا مجرد صيغة جديدة لإدارة الفقر التعليمي بمنطق التكيف، بدل منطق التحرر. لا غرابة في أن يكون مشروع “مدارس الريادة“ مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالفاقة السياسية في المغرب اليوم، إذ يعكس هذا المشروع عمق الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد، حيث يتبدى الفشل التربوي كَتَجَلٍّ واضح لغياب الرؤية السياسية والخضوع لمكاتب الاستشارات الأجنبية. وهذا ما يجعل مشاريع مثل “مدارس الريادة“ تقتصر على شعارات شكلية دون ترجمة فعلية على الأرض.
موليم العروسي
مستشار علمي بهيئة التحرير









































