ليس في الأمر جديد أن نقول إن السياسة في بلادنا ليست في أحسن أحوالها. تفتقر إلى مرجعيات نظرية، وإطاراتها الحزبية مهووسة بالاستحقاقات الانتخابية، وتركب من أجل ذلك الصعب والذلول، في مناسبة أو غير مناسبة، وتسعى لاقتناص الأعيان، و“الزعماءُ“ أو القيادات، تُنفّر بفجاجة خطابها وضحالته، وتزيد الطين بلّة بفضائحها… السياسية كما عهدناها، بأحزاب ومرجعيات وقيادات، وامتدادات في جسم المجتمع المدني، في طور الضمور، وأوشكت على النهاية. لكن هل انتهت السياسة؟ كلا. لأن مجتمعا حديثا لا يمكن أن يعيش من دون تمثلات… ماتت السياسة كما عهدناها، لتنبعث في قوالب جديدة، وأساليب جديدة. ظاهرتان تُبيّنان أن سياسة باطنية تسري، كما الماء تحت الأرض، وأخرى ظاهرة للعيان، كالشمس في رابعة النهار. الأولى تلك التي تجري على الفضاء الأزرق، من مؤثرين، واختراقات سبرانية، والتي هي أكثر من كشف الحجاب، تخضع لأجندة سياسية، والثانية هي تلك التي تعبر عنها الجماهير، إما في الشارع، أو مسيرات، وآخرها مسيرة ساكنة أيت بوكماز وسط الجبال، لمسافة طويلة على الأقدام، من أجل مطالب بسيطة، منها شبكة الهاتف، وطبيب… بمعنى أننا نعيش السياسة في الزمن الرقمي، أو ما بعد الحداثة، ونعيشها في الزمن الطبيعي، أي الفعل الجماهيري من دون وسائط، أو ما قبل الحداثة. لن يحيد عالَم السياسة، اليوم وغدا، عن الثورة الرقمية التي تفضح كل شيء، ولا تتستر عن شيء، وهو ما يسمى في الأدبيات الأكاديمية بما بعد الحقيقة… ما بعد الحقيقة، ليس هو اللاحقيقة، ولكنه مزيج من حقائق، وصياغة مخيال، وتوجيهه، وقد تذهب إلى بعثرة اللعبة من خلال مهندسي الخراب الذين لا يظهرون للعيان. أما الجانب الثاني، فيعود بنا إلى الفعل السياسي، من دون وسائط… أو الفعل السياسي الخام… لكن بغض النظر عن تغيير الأدوات، نحن أمام واقع لا يرتفع، أسفرت عنه الأدوات ما بعد الحداثة، وكشفت عنه أساليب ما قبل الحداثة، وهو أن هناك تفاوتات اجتماعية صارخة، وثروات ضخمة، تشكلت في حيز زمني ضيق، وبأساليب غير شفافة، من جهة، ومن جهة أخرى، هناك خصاص بيّن على مستوى أدنى الحاجات، وأدنى الخدمات في أرجاء عدة من بلدنا، ولشرائح واسعة. ومن تحصيل حاصل أن هذه التمايزات في الأجور، والثروة، والخدمات، ليست ظاهرة صحية على الإطلاق، ويمكن أن تعصف بكل شيء.
لا جدال أن استحقاق مونديال 2030 فرصة سانحة لبلدنا على أكثر من مستوى، ولا جدال أن المؤسسات العمومية أولت الأمر أهمية من خلال أشغال البنيات التحتية، لكن هل البنيات التحتية هي كل شيء؟ هل نقبل أن يقال عنا غدا، من قِبل من قد يحلون ببلادنا، أثناء الاستحقاقات الرياضية، أو غيرها: «ألموزق من برا أشحالك من الداخل»، كما كشفت مسيرة أيت بوكماز.
السؤال يعني السلطات العمومية، ويعني الجسم السياسي كذلك. وهذا الجسم يحتاج لما يسمى إعادة تأهيل، في ظل مستجدات مهولة، على المستوى الداخلي، واستحقاقات عالمية، وتحولات عالمية كبرى…
نحتاج خطابا جديدا، وإطارات حزبية بأساليب جديدة، ترتفع عن الابتذال الذي هي فيه، ولربما قيادات جديدة أكثر توافقا مع الجيل الحالي، في الخطاب والأسلوب والرؤية والاهتمامات. الاعتقاد أنه يمكن أن نستغني عن السياسة، هو الارتهان لسياسة غير مهيكلة، يختلط فيها الغث والسمين، ويمكن أن تأتي على الأخضر واليابس.
حسن أوريد
مستشار علمي بهيئة التحرير










































