في ندوة نظمها مركز الدراسات والبحوث الاجتماعية والإنسانية بمدينة وجدة حول التغييرات الجيو–سياسية في العالم، انبرى السؤال، بشكل عارض غالبا، وسافر أحيانا، ما العمل على مستوى بلادنا؟ الدول المتوسطة لا تستطيع أمرا وسط بحر هائج مائج، فما بالك بالدول الصغيرة والتي لا حيلة لها إلا الاصطفاف أو الموازنة، أو وضع البيض في سلل مختلفة. كان ما رشح في خضم النقاش هو تغليب الدولة الوطنية، وما تم التعبير عنه بوضوح: المغرب أولا. مشاعر التعاطف التي قد تبديها فعاليات، بناء على مشاعر دينية أو قومية لما يعتمل في الشرق الأوسط والحربِ الدائرة رحاها في الخليج، مشروعة، ولكنها تظل في دائرة الانتماء السائل. أما الدولة الوطنية، فتدخل في دائرة الانتماء الصلب، لأن لكل مواطن الحق في مساءلة الدولة التي ينتمي إليها، وله عليها حقوق، وعليه واجبات، على خلاف الانتماءات السائلة التي لا تمنح حقوقا، ولا تفرض واجبات على مرجعيات الانتماء الإيديولوجي. أولوياتنا كبلد معروفة، وهي الوحدة الترابية والبشرية، والأمن، والازدهار، وهي أمور لا يرقى إليها الجدل إلا لمن يُغلّبون الانتماء السائل على الانتماء الصلب، ولكن الجدل يثور حول سبل تحقيق هذه الأهداف. لا يمكن أن نختزل الأمن في الزجر، وينبغي أن يتوسع إلى العدالة الاجتماعية، ولا يمكن أن نقول بالوحدة الترابية والبشرية من دون إشراك المعنيين من ذوي الهويات الطافحة، ولا يمكن القول بالرقي من دون التوزيع العادل للثروات والشفافية في المجال الاقتصادي، والقطع مع الريع ورأسمال المحاباة. ولذلك، يتوجب إعطاء مدلول لهذه القيم عوض أن تبقى مجرد رؤوس أقلام. والمجتمعات السليمة هي التي تنتقل من الجدل إلى النقاش، بداخل المؤسسات، من برلمان، أو داخل الأحزاب، أو من الرأي العام، من لدن المجتمع المدني، والصحافة، وأصحاب النظر. ينبغي الإقرار أن عناصر النقاش، من داخل المؤسسات وخارجها معطلة، وإلى ذلك غلب صخب شبكات التواصل على النقاش، واصطبغ بالهراش، واتسم بالضحالة، ولم يخلُ من استفزاز. ولئن كان الكثيرون يَنعون السياسة عندنا، فمما ينبغي أن نأسى عليه، ليس موت السياسة فقط، من خلال ضحالة الفاعلين وانعدام العرض السياسي، وإنما غياب النقاش، فالسياسة لا تُختزل في انتخابات وتزكيات، وترشيحات، ولكن فيما تقدمه الهيئات من تصورات، سواء كانت داخل الحكومة أو خارجها. كرة القدم ليست مجرد الفريقين المتباريين ولكن كل ما يقترن بالمباراة، من جمهور وحماس. ولنتصور مباراة من دون جمهور، إذاك ستفقد المباراة نكهتها، ولنتصور جمهورا من دون مباراة، وهو العبث بعينه. ومشكلتنا هي أن لدينا جمهورا قابعا في المدرجات من دون مباراة تجري أمام ناظريه، وهو موزع بين الحنق والتهكم، ولدينا فِرق تلعب من دون جمهور. ولأنها من دون جمهور تَكْذب نفسها، وتصدق كذبها. والحالتان غير صحيتين، ولا تستقيمان في سياق دولي صعب وتحديات كبرى. “المغرب أولا“ لا يمكن أن يستقيم من دون المغاربة أولا، كي يتفكروا في شؤونهم، من خلال النقاش الذي تتيحه المؤسسات، ومن خارجها، ولا يمكن أن يُستعاض عن ذلك بتصورات جاهزة يُطلب من المغاربة التأشير عليها وتزكيتها، إما مباشرة، أو من خلال هيئات وسيطة، أو غير مباشرة بفرضها فرضا. في صيف ،2007 كانت السماء السياسية ملبدة، لأن السياسة فقدت الغاية منها. وفي الخريف، هجر المواطنون صناديق الاقتراع… ثم كان الجواب المعلوم، لتحريك بِركة راكدة، والتي زادت البِركة توحلا على توحل، والمشهد تعقيدا. المغرب أولا لن يستقيم من دون المغاربة أولا، ونداء المغاربة أولا، لا يمكن أن ينهض من دون وضوح الرؤية، أو على الأقل تصورات واضحة تكون موضوع النقاش. وأيا كان العبء الذي يحمله الفاعلون، فهو يخِفُّ إنِ اشترك الجميع في حمله. أما إذا استفردت فئة بالقرار، فقد يثقل عليها، وقد يهوي بها.
حسن أوريد
مستشار علمي بهيئة التحرير











































