يرصد محمد شقير، الباحث المتخصص في تطور المؤسسة العسكرية بالمغرب، مكانة وأدوار هذه المؤسسة منذ تأسيسها، وصولا إلى مرحلة التشبيب الحالية، من خلال آليتي الترقيات المتسارعة والإحالات على التقاعد.
توضح في مؤلفيك حول “المؤسسة العسكرية بالمغرب” و”النخبة العسكرية بالمغرب” مدى الارتباط الوثيق بين الملكية والجيش منذ لحظة التأسيس. ماذا كانت أهم رهانات القصر على الجيش حينئذ؟
إن تصدر الملكية للنظام السياسي الذي تشكل بعد الاستقلال، ونجاحها في الانتصار على مكونات الكتلة الوطنية، وتمكنها من القضاء على مختلف التمردات الداخلية، وقمع كل أشكال الانتفاضات الشعبية، كان يرجع ليس فقط للرصيد التاريخي والرمزي الذي اعتمدت عليه هذه المؤسسة، بل يمكن بالأساس في تحكمها منذ البداية في أخطر وأهم مؤسستين سياسيتين: وهما الإدارة والجيش. فمن خلال المؤسسة الإدارية، والتحكم في مكوناتها الضبطية والقضائية عبر التفرد بتعيين نخبها القيادية، استطاعت أن تهيمن على المجال السياسي الوطني. ومن خلال المؤسسة العسكرية، والتحكم في بنياتها التنظيمية والانفراد بالإشراف على تحديد هرميتها القيادية، نجحت المؤسسة الملكية في التحكم في مكونات المجال السياسي. ولعل هذا الهاجس هو الذي جعل القصر يسارع منذ الاستقلال إلى صرف كل جهوده واهتماماته لتأسيس قوات عسكرية مسلحة والإشراف عليها. وبالتالي، فقد كان أول قرار سياسي اتخذه الملك محمد الخامس، بعد عودته من منفاه السياسي إلى المغرب، هو الإعلان الرسمي في 12 ماي 1956 عن “تأسيس أول جيش للمغرب المستقل“ الذي سهر ولي عهده آنذاك مولاي الحسن على تكوينه بمساعدة من طرف نخبة من الضباط الذين اكتسبوا تجربتهم العسكرية والتنظيمية من خلال الخدمة في صفوف الجيش الفرنسي والذين كان من بينهم الجنرالان إدريس بنعمر، والكتاني، وغيرهما من الضباط . وبالتالي، فإذا كان هذا القرار الملكي سياديا على الصعيد الخارجي، فقد شكل على الصعيد الداخلي تعبيرا عن الانفراد الشخصي للملك برمزية هذا التأسيس وتحديد تبعية الجيش للملكية وربطه بها منذ البداية، مراهنة في ذلك على استخدام هذه المؤسسة في تحقيق ثلاثة أهداف سياسية:
كان النظام الإداري بالمغرب خاضعا للمنطق العسكري، كما تقول في مؤلفك حول “المؤسسة العسكرية بالمغرب”. إلى أي مدى كانت الإدارة في تلك الفترة مطبوعة بالعسكرة؟
تجدر الإشارة إلى أن سلطات الحماية قد ميزت في بداية احتلالها للمجال المغربي بين ثلاث مناطق: منطقة السيبة، أو المغرب الصحراوي، ومنطقة عسكرية، أو المنطقة غير الآمنة التي تضم المناطق الجبلية، ومنطقة مدنية، وتشتمل على ما يسمى بالمغرب النافع. وبعدما تقدمت سلطات الحماية في عملية “التهدئة“، قامت بتقسيم مجال نفوذها إلى منطقة عسكرية كان يترأس أقاليمها مراقبون عسكريون
(Contrôleurs Militaires)، وأخرى مدنية يترأس أقاليمها مراقبون مدنيون لكن بخلاف الازدواجية التي طبعت التقسيم الإداري في عهد الحماية (مناطق عسكرية ومناطق مدنية)، فإن التقسيم الإداري الذي اتبع في عهد الاستقلال، وإن كان قد اتخذ مظهرا مدنيا متجانسا في مجموعه، إلا أنه بقي خاضعا لمنطق عسكري، ما يدل على اختراق “التقسيم العسكري“ للخريطة الإدارية بالمغرب. بالإضافة إلى أن كل إقليم أو عمالة يتوفر على حامية عسكرية تضم وحدات من الجيش أو من قوات الدرك الملكي. أما في ما يخص تسيير المجال الترابي، فقد قامت السلطة المركزية بإنشاء مدرسة لاستكمال الأطر بالقنيطرة لتكوين رجال سلطة من طراز عصري، يتم الاعتماد في تكوينهم على “معايير عسكرية“، بتأطير من ضباط في القوات المسلحة، في الغالب. فبمجرد ولوج المدرسة، يتمتع المتدربون برتبة تلامذة ضباط ملحقين بالأكاديمية العسكرية الملكية. وفي هذا الصدد، أشار إدريس البصري، وزير الداخلية الأسبق، إلى أن الهدف من هذا التدريب العسكري هو تحقيق هدفين. أولا، تلقين رجال السلطة تكوينا يمكنهم من التوفر على الخصال التي يتمتع بها الضباط، مثل النزاهة والشهامة والشعور بالواجب. وثانيا، اعتبار رجال السلطة ضباطا احتياطيين بالنسبة للقوات المسلحة الملكية. وبالتالي، عادة ما يدرب رجال السلطة على استخدام الأسلحة الخفيفة، مثل رشاش “الكلاشنكوف“، فضلا عن التداريب شبه العسكرية التي يتلقونها، والتربية على احترام الأوامر وطاعة الرؤساء. ومما يساعد على خلق هذه الروح بينهم، ارتداؤهم اللباس العسكري طيلة مدة تدريبهم وحتى بعد تخرجهم.
حاوره إسماعيل بلاوعلي
تتمة المقال تجدونها في العدد 51 من مجلتكم «زمان»














































