تعتبر مدينة سجلماسة، الواقعة في قلب واحة تافيلالت بالجنوب الشرقي للمغرب، واحدة من أهم الحواضر التاريخية التي رسمت ملامح التواصل بين المغرب ومنطقة الساحل وإفريقيا جنوب الصحراء. وعلى امتداد سبعة قرون متتالية، انطلاقا من القرن الثامن الميلادي وحتى القرن الخامس عشر الميلادي، لم تكن هذه المدينة مجرد محطة عبور عادية، بل شكلت القلب النابض للتجارة الدولية العابرة للصحراء، حيث التقت فيها قوافل التجار المحملة بالتبر الإفريقي مع تلك القادمة من المشرق والمغرب محملة بالفضة والنحاس والأقمشة والسلع. هذا الثراء الاقتصادي المتمثل في ازدهار تجاري وزراعي، واكبه تنوع ثقافي وديني، جعل من الواحة نقطة جذب أثارت إعجاب كبار الرحالة والجغرافيين أمثال ابن حوقل وابن بطوطة. لكن اليوم، وبعد قرون من النسيان تحت الرمال واندراس معظم معالمها، تعود سجلماسة لتتصدر المشهد العلمي بفضل الأبحاث الأثرية المغربية في السنوات الأخيرة.
أظهرت نتائج الحفريات الأثرية في سنة 2025، التي قادها المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بجهود بعثة مغربية خالصة، تحولا جذريا في فهم التخطيط العمراني والديني للمدينة .فقد أثبتت التنقيبات أن التقديرات السابقة للبعثات الأجنبية، وتحديدا البعثة الأمريكية التي نقبت في الموقع خلال التسعينيات، غفلت عن الحجم الحقيقي للمسجد الجامع.
نتائج الجديدة
كشفت الأبحاث الجديدة أن مساحة هذا الصرح الديني تفوق بست مرات المساحة المعتقدة سابقا، لتمتد على أكثر من 2620 مترا مربعا، وتتسع لنحو ألفين وستمائة مصلٍ. وتكتسي هذه المعلمة أهمية بالغة تتجاوز مساحتها الشاسعة؛ إذ تعود جذور تأسيسها الأول إلى عهد أبي القاسم سمكو مؤسس الإمارة المدرارية في القرن الثامن الميلادي، مما يجعله أقدم من جامع القرويين العريق بفاس. ويعكس هذا المسجد، الذي تتقاطع فيه طبقات معمارية متعاقبة ومترابطة تعود إلى الفترات المدرارية والمرابطية والموحدية، استمرارية روحية وحضارية منقطعة النظير، ويؤكد أن مساجد تلك الحقبة كانت مراكز حكم واقتصاد وإشعاع علمي قبل أن تتبلور وتتأسس بصفتها أماكن خالصة للعبادة. ويذكر الباحث المتخصص لحسن تاوشيخت، أنه نظرا لاعتبار سجلماسة عاصمة لإمارة الخوارج، فقد شهدت تأثيرات سياسية واقتصادية مباشرة في تنظيمها العمراني. ولكونها شهدت حركية تجارية نشيطة، فقد اتخذت مرافقها «وظيفة عمومية بالخصوص، مثل المسجد الجامع، ودار الإمارة، والسوق، والحمامات وغيرها». بالموازاة مع ذلك، شهدت الدراسات المتخصصة في المادة الأثرية تطورا منهجيا حاسما، كما يتجلى في الأبحاث التي تناولت الرصيد الخزفي الهائل للمدينة. وجهت دراسات حديثة، من ضمنها دراسة الباحثة كلوي كابيل، انتقادات صريحة للتصنيفات القديمة التي اعتمدت على التحليل الإحصائي الدقيق والمفرط لأجزاء القطع دون فحص شكلها الكامل، مما أدى سابقا إلى دمج خاطئ لقطع مختلفة الوظائف. ولتجاوز هذا القصور المنهجي، تم تبني مقاربات أركيولوجية أحدث تعتمد على التسلسل الطبقي والتحليل الوظيفي للأواني، كأواني الطبخ أو التخزين، مما أتاح فهما أعمق لنمط الاستهلاك المحلي وسمح بقراءة علمية دقيقة للصناعة الخزفية خلال تاريخ سجلماسة الطويل.












































