شهد موقع شالة الأثري بالعاصمة المغربية الرباط تحولا تاريخيا وعلميا بارزا بفضل سلسلة من الحفريات الاستكشافية التي ظهرت أولى نتائجها في عام .2023 فقد أزاحت هذه الأبحاث، التي قادتها وزارة الشباب والثقافة والتواصل، وأشرف عليها المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، الستار عن جزء مهم مطمور من تاريخ المغرب القديم .ولأول مرة منذ ستينيات القرن الماضي، امتدت أيادي المنقبين إلى خارج السور المريني الشهير، وهي منطقة ظلت مغطاة بالنباتات العشوائية والركام لعقود طويلة. وأسفرت هذه الجهود عن كشف النقاب عن معالم الحاضرة المورية الرومانية سلا، لتقدم أدلة مادية غير مسبوقة تغيّر نظرة المؤرخين لطبيعة الاستيطان البشري وتطوره في هذه المنطقة الاستراتيجية، ولتؤكد أن المساحة الحقيقية للمدينة تتجاوز العشرين هكتارا، بخلاف الهكتارات السبعة المعروفة داخل الأسوار.
كان الهاجس الأول للباحثين هو تحديد الحدود الفعلية لمدينة سلا القديمة، واكتشاف نظامها الدفاعي. وقد تكللت هذه المساعي بنجاح في النطاق الشرقي، حيث تم الكشف عن أجزاء من السور الدفاعي الأصلي للمدينة على بعد 130 مترا من السور المريني. هذا الجدار المشيد بإحكام من الحجر الرملي، والذي يمتد لعشرات الأمتار، يعود تاريخه إلى القرن الثاني الميلادي .وتكتسي هذه البنية الدفاعية أهمية بالغة، إذ يرجح الخبراء أنها ذات الجدار المذكور في النقوش التاريخية الرومانية التي تعود إلى سنة 144 ميلادية. وإلى جانب هذا السور، ظهرت جدران ترابية محفوظة بعناية، تسلط الضوء على تقنيات البناء بالطوب التي كانت شائعة خلال الحقبة الرومانية، وهو ما يمثل إضافة نوعية ونادرة لسجل العمارة القديمة في المغرب.
أهم الاكتشافات
من أبرز ما جادت به أنقاض شالة وأضخمها، هو اكتشاف حمام عمومي ضخم تفوق مساحته أربعة آلاف متر مربع، ليُصنف بذلك كأكبر حمام روماني تم اكتشافه في المغرب. وشُيد هذا الصرح المعماري المذهل أواخر القرن الأول أو بداية القرن الثاني الميلادي، وصُمم وفقا لمبدأ التماثل الهندسي الدقيق الذي ميز الحمامات الإمبراطورية الكبرى في العاصمة روما. ولم يكن هذا الفضاء مجرد مكان للاستحمام، بل كان مجمعا ترفيهيا واجتماعيا متكاملا يقضي فيه السكان ساعاتٍ طوالا. وقد كشفت التنقيبات عن مرافق متطورة للغاية، من بينها ساحة واسعة نصف دائرية مخصصة للتمارين الرياضية، كانت محاطة بأروقة ذات أعمدة ملونة ما تزال قواعدها صامدة حتى اليوم. كما برزت قاعات الانتظار المجهزة بمقاعد جدارية. إضافة إلى ذلك، ضم المجمع غرفا ساخنة تزينت أرضياتها بفسيفساء ذات أشكال هندسية متقنة، ومراحيض عمومية جماعية متطورة تحتوي على ثلاثين مقعدا، مما يعكس كثافة الاستخدام ومستوى التنظيم الحضري الرفيع.
في قلب قاعة المسبح البارد التابعة للحمام، والتي صُممت بشكل نصف دائري مع مقاعد للراحة، تجلت مظاهر البذخ والترف الروماني في أبهى صورها. كانت جدران هذا المرفق مكسوة بالكامل بألواح رخامية نفيسة، ما تزال بقاياها ملتصقة بالزوايا والأساسات. وفي هذا السياق المترف، تم العثور على تمثال رخامي بحجم طبيعي يرجح أنه يجسد إحدى الإلهات. ويعد هذا الكشف الفني حدثا استثنائيا، لكونه أول تمثال رخامي يتم استخراجه من الموقع منذ ستة عقود، مما يفتح آفاقا واسعة لدراسة الفنون والنحت وطبيعة المعتقدات الدينية التي كانت سائدة في المدينة.
الحضور الموري
لكن ما يزيد من إثارة هذا الاكتشاف، هو العثور تحت أساسات هذا الحمام على آثار تعود إلى القرن الأول قبل الميلاد، مما يؤكد وجود استيطان موري محلي وحياة حضرية نابضة قبل التدخل المعماري الروماني.
ولم تقتصر الاكتشافات على فضاءات الحياة اليومية، بل شملت أيضا طقوس الموت والتجارة. ففي المنطقة الجنوبية الشرقية، تم تحديد منطقة جنائزية ضمت مدفنا من نوع “كولومباريوم“ يعود إلى القرن الثاني الميلادي، صُمم بمشاكٍ صغيرة لاحتضان الأواني التي تحفظ رماد الموتى، وهو المدفن الأول من نوعه في محيط مدينة سلا، وقد أظهرت الأبحاث أنه استُخدم لاحقا في الفترات الإسلامية لدفن عشرات الأفراد.
وعلى صعيد آخر، وباتجاه المناطق السفلية والمستنقعات التي طالما دارت حولها تكهنات بوجود مرسى قديم، كشفت الاستبارات العميقة عن بقايا حي ساحلي يمتد لمسافة تتجاوز مائتي متر. وتؤكد هذه البقايا المعمارية، التي رافقها اكتشاف مذبح ديني مرتبط بالطقوس القديمة، وجود حي حيوي كان يشكل عصب التجارة والاقتصاد، ويرتبط ارتباطا وثيقا بمرسى المدينة المفقود.
إن ما يميز هذه الحفريات الحديثة، حسب القائمين على الأبحاث الجارية، هو حجمها ووقوعها خارج الأسوار المعروفة لشالة القديمة، مما يبرز ضخامة المدينة الأصلية. ورغم كل هذه الإنجازات المعمارية التي شملت الحمامات والأسوار والمرسى والجبّانات، «فإن الأحياء السكنية المخصصة لعامة الشعب ما تزال تقبع تحت التراب»، وفق الباحثين. وتتجه أنظار فرق البحث، إلى حدود كتابة هذه السطور، نحو مواصلة التنقيب في المساحات الشاسعة غير المستكشفة، أملا في إماطة اللثام عن المنازل والأحياء السكنية، لتكتمل بذلك صورة هذه الحاضرة المورية الرومانية التي تعد بإعادة تشكيل فهمنا لتاريخ المغرب والمنطقة.














































