ما تزال مدينة ليكسوس الأثرية، القريبة من مدينة العرائش، تبوح بأسرارها الدفينة، لتكشف للعالم عن صفحات جديدة من تاريخ المغرب القديم .إذ تمثل هذه المدينة المندثرة شاهدا حيا على تعاقب الحضارات، من الفينيقية إلى المورية وصولا إلى الرومانية. غير أن الاكتشافات الأثرية المتلاحقة التي قادتها الفرق العلمية المغربية والإسبانية منذ عام 2022 وحتى عام ،2025 سلطت الضوء على جانب اقتصادي وصناعي بالغ الأهمية، يتمثل في احتضان ليكسوس لأكبر مجمع صناعي لتمليح الأسماك وإنتاج صلصة “الكاروم“ الشهيرة على مستوى الإمبراطورية الرومانية بأكملها .لقد شكلت الحفريات الحديثة امتدادا وتوسيعا لأبحاث سابقة انطلقت ما بين ثلاثينيات وستينيات القرن العشرين، فأحدثت ثورة في فهمنا لحجم هذا النشاط الصناعي القديم وطبيعته. وبفضل الجهود المشتركة بين المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث وجامعة قادس، تبين أن مساحة الحي الصناعي تفوق بكثير ما كان معتقدا في السابق، حيث تضاعف الحجم المعروف أربع مرات. لقد كشفت التنقيبات الممتدة على مساحة تفوق 63 هكتارا عن شبكة معقدة تضم عشرات المصانع ومئات الأحواض المخصصة لمعالجة الأسماك وتمليحها.
ولم تقتصر الاكتشافات على قلب المدينة التاريخية، ففي سنة 2023، امتدت لتشمل الضواحي الشرقية خارج الأسوار، حيث ظهرت أحياء سكنية وحرفية جديدة. علاوة على ذلك، تم اكتشاف حي بحري متكامل شُيّد في سهول فيضية محاذية لنهر اللوكوس، وهي منطقة كانت قديما عبارة عن خليج بحري مفتوح يوفر ملاذا آمنا لرسو السفن قبل أن تملأه الترسبات تدريجيا.
وفي عام ،2025 ومع استمرار أعمال التنقيب الميدانية، أزاح الباحثون الستار عن معملين جديدين بالكامل في الطرف الشرقي للحي الصناعي. وقد تميز هذان المعملان باحتفاظهما بكافة المكونات المعمارية الدقيقة من أحواض للتمليح، وممرات متداخلة، ومساحات مخصصة لتنقية وإعداد الأسماك قبل تصنيعها. كما عثر العلماء على طبقات أثرية تعود للفترة الفينيقية، وتحديدا إلى القرن السابع قبل الميلاد، تقبع مباشرة تحت أساسات المصانع الرومانية. هذا التسلسل الطبقي، حسب المتخصصين، يؤكد أن النشاط الاقتصادي والاستيطان البشري في هذا الموقع كانا متجذرين وعميقين، وسبقا السيطرة الرومانية بقرون طويلة. بالإضافة إلى ذلك، يستمر البحث الأثري عن الأفران القديمة التي كانت تُصنع فيها الجرار والخوابي الخزفية المخصصة لتعبئة هذه المنتجات وتصديرها. وإن العثور على نقائش مصبوغة تحمل اسم مرسى ليكسوس على خوابي اكتُشفت في مناطق رومانية نائية، يمثل دليلا قاطعا على الانتشار التجاري الواسع لمنتجات هذه المدينة المغربية في الأسواق القديمة.















































