قد يبدو موقع ريغا (Righa) من المواقع الأثرية التي لا يبلغ صيتها صدى واسعا على غرار مواقع أخرى، لكنه موقع يزخر بتراث أثري غني يروي قصص حضارات متعددة تعاقبت على أرض المغرب، حسب ما تؤكده نتائج الأبحاث المعلن عنها في سنة .2026
أهمية الاكتشاف
يقع موقع “ريغا“ في سهل الغرب على بعد 8 كيلومترات شمال مدينة سيدي سليمان، ويمتد على مساحة شاسعة تتراوح بين عشرة وأحد عشر هكتارا، ويكتسي أهمية علمية وتاريخية بالغة نظرا لكونه شاهدا حيا على استمرارية الاستيطان البشري دون انقطاع تقريبا، انطلاقا من الحقبة المورية في القرن الخامس قبل الميلاد، مرورا بالعصر الروماني والعصور القديمة المتأخرة، ووصولا إلى العصر الإسلامي. ومما يزيد من القيمة التاريخية لهذا الموقع، كونه أقدم من مدينة وليلي التاريخية، ما يجعل اكتشافات “ريغا“ مفتاحا أساسيا لفهم التطور الحضاري والعمراني في المنطقة. لقد أثمرت الجهود العلمية المتواصلة، ضمن برنامج أثري مغربي فرنسي إسباني مشترك، أشرف عليه المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، عن اكتشافات عديدة أعادت رسم خريطة الاستيطان القديم في المغرب. ففي الجزء الغربي من الموقع، وتحديدا في المنطقة المعروفة بـ“التل“، كشفت الحفريات الممتدة على مساحة تقارب 250 مترا مربعا عن تفاصيل دقيقة للحي الموري الذي يعود تاريخه إلى الفترة الممتدة بين القرن الخامس والقرن الأول قبل الميلاد. وتعد هذه المساحة التي أجريت فيها الحفريات من أوسع المجالات التي تم استكشافها في المغارب والخاصة بفترة ما قبل الغزو الروماني. كما أظهرت التنقيبات وجود مبانٍ سكنية متقنة التخطيط مشيدة بالكامل من الطوب اللبن، حيث ضم نمط العمران فيها غرفا متعددة ومواقد منزلية وأفرانا طينية للطهي. كما أبرزت الدراسات تعاقب مراحل البناء والهدم وإعادة الاستيطان، مما يعكس دينامية حيوية للسكان وقدرتهم على التكيف وتطوير مساحاتهم السكنية عبر التاريخ.
ومع الانتقال إلى الحقبة الرومانية، كشفت الأبحاث في شهر ماي 2026 عن تحولات عمرانية واقتصادية جذرية طرأت على المدينة القديمة؛ فقد تم اكتشاف منزل روماني فسيح يتميز بباحة معمدة، ارتبطت به منشأة زراعية وحرفية ضخمة تعود إلى النصف الثاني من القرن الثاني وبداية القرن الثالث الميلادي.
توسيع الأبحات
لعل أبرز ما يميز هذا المجمع، هو حالة الحفظ الاستثنائية لمعصرة نبيذ متكاملة، حيث أثبتت التحليلات المخبرية الدقيقة للبقايا العضوية المحفوظة في الجرار الخزفية الضخمة والخوابي، وجود آثار لنبيذ أحمر يعود لتلك الحقبة .وقد بقيت تفاصيل هذه المنشأة واضحة المعالم تحت أنقاض دمار هائل ناتج عن حريق مهول أتى على المكان في أواخر القرن الثالث الميلادي. وإلى جانب المنشآت الصناعية، عثر الباحثون في الطابق العلوي للمنزل الروماني المذكور على تحفة أثرية نادرة جدا على مستوى العالم الروماني، أُطلق عليها اسم “صندوق الباخوسيات“. كما توسعت الاكتشافات لتشمل منشأة حمامات عمومية بمحاذاة وادي بهت كانت تُصنف في السابق خطأ على أنها صهريج للمياه، بالإضافة إلى رصد تحول وظيفي لاحق في العصور المتأخرة، حيث أقيمت ورشات للحدادة فوق الأجزاء المتهدمة. لم تتوقف قصة الاستيطان في “ريغا“ عند العصر الروماني، بل امتدت لتشمل فترات التواجد الإسلامي، حيث كشفت الطبقات العليا عن آثار تعود للعهود الإدريسية في القرن التاسع الميلادي والفترة المرينية في القرن الرابع عشر الميلادي، تجلت بوضوح في حفر وأفران مخصصة لصناعة الفخار غنية بالبقايا الخزفية .ولتحقيق هذا الفهم الشامل والعميق لتسلسل هذه الحقب، لم يعتمد الباحثون على أساليب الحفر التقليدية فحسب، بل تم توظيف مجموعة من التقنيات الحديثة والمنهجيات متعددة التخصصات.













































