تعتبر مدينة وليلي الأثرية في المغرب واحدة من أهم الحواضر التاريخية التي تقاطعت فيها الحضارات وتعاقبت عليها الإمبراطوريات .وعلى الرغم من شهرتها بصفتها مدينة رومانية غنية بفسيفسائها ومعالمها الكلاسيكية، فالحفريات الأثرية الحديثة، التي قادتها فرق بحثية مغربية وبولندية مشتركة بين عامي 2021 و2024، كشفت عن أسرار جديدة تعيد كتابة تاريخ هذه المدينة القديمة .لقد أظهرت الاكتشافات أن وليلي لم تكن مجرد مستوطنة زراعية أو إدارية عادية، بل كانت درعا عسكريا متطورا خلال الحقبة الرومانية، ثم تحولت لاحقا إلى عاصمة صناعية واقتصادية مستقلة ومزدهرة خلال العصر الإسلامي المبكر.
خلال القرنين الأول والثالث الميلاديين، قامت وليلي بدور محوري في حماية حدود مقاطعة موريتانيا الطنجية، وتأمين طرق التجارة والمزارع المحيطة بها من هجمات القبائل الجبلية. وقد كشفت الأبحاث الأخيرة عن نظام دفاعي إقليمي معقد لم يعتمد فقط على الحصون العسكرية الثلاثة المعروفة: توكولوسيدا، وعين شكور، وسيدي موسى بوفري، بل تضمن أيضا شبكة من أبراج المراقبة الاستراتيجية في ولاية موريتانيا الطنجية.
ونظرا للتضاريس الوعرة التي كانت تعيق الرؤية المباشرة بين الحصون، لجأ الرومان إلى بناء أبراج مراقبة في نقاط حاكمة لضمان الإنذار المبكر والاتصال البصري. وفي هذا السياق، أسفرت نتائج الحفريات في سنة 2022 عن اكتشاف برج مراقبة روماني، تلاه اكتشاف برج ثانٍ في ممر “زكوطة“ شمال المدينة سنة .2024 كما عُثر داخل هذه الأبراج على بقايا معمارية من أرصفة وسلالم داخلية، بالإضافة إلى معدات عسكرية رومانية مثل مسامير الصنادل، والرماح، وأجزاء من الأحزمة. وتؤكد هذه المكتشفات، إلى جانب “مذابح السلام“ التي وُجدت في ساحة المدينة. وتوثق معاهدات مع قبائل الباكوات (Baquates) أن الرومان أداروا حدودهم بمزيج حذر من القوة العسكرية والدبلوماسية.
وليلي في الفترة الإسلامية
مع انتقال السلطة وتغير الحقبة التاريخية، لم تندثر وليلي، بل شهدت تحولا جذريا خلال القرن الثامن للميلاد، لتصبح عاصمة للإمارة الإدريسية. وقد وثقت الأبحاث كيف تطورت المستوطنة من مركز قبلي بربري إلى حاضرة إسلامية كبرى، حيث امتد التوسع العمراني ليخلق تباينا معماريا بين “الحي الأمازيغي” القديم داخل الأسوار الرومانية، و“الحي العربي“ الناشئ والمزدهر خارجها.
وأثبتت المكتشفات الأثرية في هذا السياق، أن وليلي تمتعت بثراء كبير واستقلال مالي وسياسي، وهو ما يتجلى بوضوح في نشاط سك العملات. فقد عُثر على كميات هائلة من النقود النحاسية والفضية التي سُكّت محليا، وحمل بعضها اسم المدينة “وليلي“، بينما حملت أخرى أسماء حكام مثل إدريس الأول ومحمد بن إدريس. وكان إصدار هذه العملات بمثابة إعلان صريح عن الاستقلال السياسي للدولة الفتية عن الخلافة العباسية، ومؤشرا على الحيوية الاقتصادية التي تركزت بشكل لافت في الأحياء الواقعة خارج الأسوار.
مجالات أخرى
لم يقتصر ازدهار وليلي الإسلامية على سك النقود، بل امتد ليشمل قطاعات صناعية وحرفية متقدمة. فقد كشفت التنقيبات عن ورشة سرية تحت الأرض تعود لمنتصف القرن الثامن، ضمت مئات الشظايا لقوالب الكريات المستخدمة في صهر النحاس والفضة وتحديد مقادير المعادن المخصصة لسك العملات. وإلى جانب ذلك، وُجدت أفران لصهر الحديد والنحاس، مما يدل على نشاط تعديني مكثف. ومن أبرز الاكتشافات التي لفتت انتباه الباحثين، العثور على أدوات عظمية متخصصة مصنوعة من عظام الإبل، استُخدمت كدعائم لصناعة المناجل ذات الأسنان المنشارية. كما لم تغب الصناعات اليومية؛ حيث اكتُشفت أفران لإنتاج الأواني الفخارية، وثقوب لأعمدة أنوال النسيج العمودية، ومرافق لمعالجة المحاصيل الزراعية في أحواض للتنظيف ثم تخزينها في صوامع. وفي شهر يونيو 2026، برز اكتشاف أثري فريد من نوعه في وليلي، يتمثل في لوحة لعب غير معروفة مسبقا، تم العثور عليها منحوتة في أحد حمامات المدينة، وتعود لفترة حكم الأدارسة. ويسلط هذا الاكتشاف، كما نشرته مجلة “دراسات ليبية“، الضوء على ثقافة الترفيه والتفاعلات الاجتماعية في الأماكن العامة خلال تلك الحقبة. يوفر هذا الاكتشاف سياقا زمنيا نادرا وموثوقا لتاريخ ألعاب الطاولة في المنطقة. فقد تم تشييد هذا الحمام في أواخر القرن الثامن أو أوائل القرن التاسع الميلادي، وهو ما يتزامن مع حكم الإمارة الإدريسية، قبل أن يتم التخلي عنه بحلول القرن العاشر أو الحادي عشر الميلادي.
لوحة ذات خصائص هندسية
تتميز اللوحة المكتشفة بخصائص هندسية محددة، مكنت الباحثين من استنتاج نوع اللعبة التي كانت تُمارس عليها. ونُحتت اللوحة بشكل متعمد في موقع بارز جدا على الدرجة العليا المؤدية إلى حوض الاستحمام البارد. ويتكون التصميم من ثلاثة صفوف، يحتوي كل صف منها على ثلاث عشرة حفرة على الأقل، وتتميز هذه الحفر بكونها ضحلة وصغيرة القطر. وبناء على هذا التصميم، خلص الباحثون إلى أن اللوحة كانت تُستخدم غالبا للعب ما يُعرف بـ“التاب“ أو “السيج“، وهي لعبة تعتمد على تحريك القطع عبر مسارات محددة. ويمثل هذا اللوح الأثري أقدم دليل مادي معروف على ممارسة هذه اللعبة في منطقة شمال إفريقيا. ومما يستنتجه الباحثون، أن الاكتشاف يُمكّن من فهم طبيعة الفضاءات الاجتماعية في العالم الإسلامي المبكر؛ «فالحمام كان يُشكل فضاء اجتماعيا بامتياز، ولم يكن مجرد مكان مخصص للنظافة والعناية بالجسد». وكان بإمكان المتواجدين في غرفة تغيير الملابس رؤية موقع اللعب بوضوح، مما يشير إلى أن ممارسة الألعاب لم تكن نشاطا سريا، بل كانت جزءا مقبولا ومندمجا في الأنشطة الترفيهية لرواد الحمام.















































