ارتبطت سيدي قاسم في ذاكرة الناس بمجالها الفلاحي الغني، وبكونها مدينة بترولية احتضنت منذ مستهل القرن الماضي معملا لتكرير النفط، وذلك بعد تأسيس الشركة الشريفة للبترول. وفي الفترة التي كان خلالها المغرب يعيش تحت الحماية الفرنسية، غَيَّر هؤلاء اسمها إلى “بوتي جان”، تكريما لأحد الضباط الفرنسيين، الذي قضى نحبه في الحرب، وقد أنشأت فرنسا في ذلك المكان قاعدة عسكرية، وذلك بهدف مراقبة قبائل المنطقة وفي الوقت نفسه استغلال البترول الذي اكتشف في مرتفعات ”سلفات” والمنطقة المعروفة بـ”عين الحمراء”، في مستهل العقد الثاني من القرن العشرين.
استقر في المكان الذي عُرف فيما بعد بسيدي قاسم في زمن غير محدد بدقة، مجموعة من القبائل العربية، ومن أقواها قبيلة الشراردة أولاد ادليم، الذين تعود أصولهم إلى محافظة الأنبار بالعراق، حيث شكلت المنطقة مجالا رحبا لتحركاتها ولممارسة أنشطتها المعاشية، سواء من خلال الترحال في أراضيها أو بعد اختيارها الاستقرار بالمكان الذي اعتبر نواة لمدينة سيدي قاسم. منح الولي الصالح سيدي قاسم بوعسرية، الذي عاش خلال القرن الحادي عشر الهجري الموافق للقرن السابع عشر الميلادي، للمكان اسمه وبركته، وقد تواتر في المصادر أنه هو القطب الرباني أبو القاسم بن أحمد الراشد السفياني، الشهير ببوعسرية، لأنه كان يستعمل يده اليسرى أكثر من اليمنى فيما يقوم به من أعمال، وكانت له أحوال صوفية وسياحات ربانية. يحكى عنه أنه كان في شبابه من الفرسان الشجعان الذين كانت القبيلة تفتخر بهم، حيث عُرف عنه الإقدام في المعارك ورباطة الجأش في النزال، غير أن أحواله تغيرت بعد أن ألمت به الواردات العرفانية، وشملته العناية النورانية، فزهد في دنياه واعتزل الناس وهام على وجهه في الأرض، فكان يغيب مرارا عن حسه، فلا يأبه بمن حوله، بل إنه استأنس بعزلته وانفراده وانقطاعه عن الناس، حيث كانوا لا يعرفون أخباره السنة أو السنتين أو يزيد، فلا يدرون عن قراره شيئا، ولا يعرفون موطن إقامته، كما أنه في سياحته تآلف مع الوحوش واستأنس بمعاشرتها، غير أنه بين الفينة والأخرى كان الصيادون والرعاة يصادفونه، فيخبرون قومه الذين كانوا يسعون في طلبه، فيقصدونه لإحضاره إليهم، إلا أنه ما يلبث أن يعود لعادته السابقة.
عبد المالك ناصري
تتمة المقال تجدونها في العدد 147 من مجلتكم «زمان»












































