يحكى أن ملك إحدى الأمصار أراد أن يعرف مملكته بدقة متناهية .أمر رسّامي الخرائط بأن يضعوا خريطة للبلاد: خريطة دقيقة، وأمينة، ونافعة. امتثل العلماء للأمر، ولم يمضِ وقت طويل حتى قُدّمت الخريطة الأولى .تأمّلها الملك، لكنه لاحظ أن بعض القرى غير موجودة، وأن عدداً من المرتفعات والطرق لم يُحدَّد بدقّة .فأمر بإعادة العمل من جديد. جاءت الخريطة الثانية أكثر تفصيلاً، فقد جرى تصحيح عيوب الأولى، وأُضيفت الطرق الثانوية والأنهار والتلال. فحصها الملك طويلاً، غير أنّه توقّف مرة أخرى عند مناطق لم تُرسم بدقّة كافية. فطلب المزيد: مزيداً من التفصيل، ومزيداً من الإتقان والأمانة. فعاد رسّامو الخرائط إلى عملهم من جديد. ومع مرور الوقت، أصبحت الخريطة بالغة الضخامة، شديدة التعقيد. ومع ذلك، لم يكن الملك راضياً قط، إذ كان يجد دائماً نقصاً هنا أو تفصيلاً مهملًا هناك، أو عنصراً لا يبلغ مستوى الدقة المطلوب. وأخيراً، وبعد سنوات طويلة من العمل، قدّم الرسّامون خريطة مكتملة. كانت شاسعة إلى درجة أنهم اضطرّوا إلى بسطها فوق مساحة المملكة بأسرها. عندها لم يعد هناك فرق يُذكر بين التمثيل (Représentation) والواقع. أراد الملك أن يتأمّل إنجازهم، لكنه كان أينما وقف لا يرى مملكته، بل الخريطة فقط .قد غطّت كل شيء: اختفت الجبال، والأنهار، والمدن .وما كان يسعى إلى الإمساك به أفلت منه. صار يملك صورة مكتملة، لكنه فقد المملكة نفسها. هذه الحكاية مستوحاة من قصة قصيرة لجورج لويس بورخيس بعنوان: صرامة العلم.يستخلص من هذه الحكاية شيء جوهري عن نزعة السلطة حين تتحول إلى إرادة سيطرة مطلقة. لم يكن هدف الملك مجرد المعرفة، بل كان يريد ألا يبقى شيء خارج نطاق قبضته؛ أن يختزل الواقع إلى شكل قابل للضبط، شفاف. إنه لا يحتمل النسبية أو الغموض أو الظل، ويريد أن يكون كل شيء مرئياً بالكامل. في البداية تبدو هذه الرغبة معقولة، فالحكم يحتاج إلى المعرفة، والخريطة أداة من أدوات السلطة واتخاذ القرار. غير أن الوسيلة تتحول تدريجياً إلى غاية .فلم يعد الملك يسعى إلى إدارة أفضل لمملكته، بل إلى استنفاد الواقع داخل تمثيل شامل له. وهكذا تتحول المعرفة إلى هوس بالاحتواء الكامل. لكن الواقع، بطبيعته، معقّد ومقاوم. فهو لا يستجيب بالكامل لمحاولات الإحاطة به، بل يظلّ ينفلِتُ ويتغير. وإن محاولة حبسه داخل خريطة مكتملة لا تؤدي إلا إلى استبدال الحياة بنسخة جامدة، تمنح وهم السيطرة بدل حقيقتها.
إن الخريطة الكاملة، في نهاية المطاف، ليست سوى وهم خطير. فهي تعد بشفافية مطلقة، لكنها تنتج عتمة جديدة. وهكذا تتحول أداة المعرفة إلى حجاب يحجب ما كان يُفترض أن يكشفه. ويكشف هذا التناقض نزعة عميقة في أشكال السلطة الحديثة؛ فكلما ازدادت محاولات الجمع والقياس والمراقبة والتنبؤ، ازداد خطر الضياع داخل هذا التراكم نفسه. ففائض المعلومات لا يضمن الفهم، بل قد يفضي إلى تشبّع يضعف القدرة على التمييز، بحيث يصبح تضخم الرؤية سبباً في غياب الرؤية. كما تعكس هذه الإرادة في السيطرة المطلقة خوفاً دفيناً من المجهول، ومن كل ما لا يخضع للضبط أو التوقع. لكن في تلك المساحات غير المرسومة تكمن حيوية الواقع وطاقته على التجدد .فالمفاجأة ليست خللاً، بل شرطا من شروط الحياة.. وتدعونا هذه الحكاية إلى إعادة التفكير في العلاقة بين المعرفة والسلطة. فالمعرفة ليست امتلاكاً، والتمثيل ليس بديلاً عن الوجود .وكل خريطة، مهما بلغت دقتها، تظلّ تبسيطاً وتأويلاً لا يطابق الواقع تماماً. والفجوة بين الخريطة والأرض والبلد ليست نقصاً، بل شرطاً لإمكان الفهم نفسه. الحكمة لا تقوم على الإحاطة بكل شيء، بل على العيش مع حدود المعرفة، ومع قدر من الشك واللايقين. لقد أراد الملك أن يرى كل شيء، فانتهى به الأمر إلى تغطية كل شيء، ومن ثم فقدان ما كان يسعى إلى امتلاكه. تجد هذه الآلية، التي تبدو مجردة وبعيدة عن الواقع، اليوم ترجمتها الجيو–سياسية بشكل ملموس؛ فبعض القوى تتصرف مثل ذلك الملك، مقتنعة بأن الأمن والهيمنة يمران عبر معرفة شاملة، ومراقبة دائمة، وضبط لا تشوبه ثغرة. لقد سعت الولايات المتحدة، بما تمتلكه من قوة تكنولوجية وعسكرية، طويلاً إلى تنظيم العالم وفقاً لأطرها الخاصة في الفهم، مُكثّفةً آليات الاستخبارات، والتدخل، وإعادة التنظيم، والمعيارية. ولا يقتصر الطموح هنا على التأثير، بل يمتد إلى إعادة تشكيل الفضاء العالمي بما يقلّص هامش عدم اليقين. وبشكل أكثر لفتاً، تجسّد إسرائيل شكلاً حادّاً من هذه الإرادة في السيطرة. فهي دولة بلا دستور رسمي وبحدود متحركة وغير رسمية (بل هي الدولة الوحيدة في العالم التي ليست لها حدود)، وتطوّر منطقاً أمنياً يقوم على الاستباق الدائم، وإحكام السيطرة على المجال، والمراقبة الدقيقة للسكان .إن هذا السعي نحو تحكّم شامل، إقليمي، وديمغرافي، وأمني، يشبه خريطة الملك: إذ يسعى إلى القضاء على كل منطقة ظل، وكل فضاء غير معروف بدقة. لكنه يصاب في الأخير بالعمى.
موليم العروسي
مستشار علمي بهيئة التحرير












































