شكل المغرب، بحكم موقعه الجغرافي في العالم القديم وإلى اليوم، ملتقى من ملتقيات «السوق اللغوية» لحضارة البحر المتوسط، وفق تعبير محمد المدلاوي المنبهي، الأستاذ الجامعي المتخصص في اللسانيات. فقد احتك الأمازيغ الأوائل بكل الحضارات، وبالتالي بلغاتها تأثرا وتأثيرا. غير أن التحول الكبير سيقع حين أصبحت العربية، لغة القرآن، الأكثر انتشارا في حوض البحر الأبيض المتوسط. ولأن المغرب جزء من هذا الفضاء، الذي أقبل عدد كبير من أهله على اعتناق دين محمد ثم ظهور فئة حفاظ ومحفظي القرآن في الجبل والسهل، عرف لغة ثالثة، هي ما تعرف اليوم بـ«الدارجة المغربية». هذا الملف، الذي تقترحه عليكم «زمان»، يستعرض أصول الكلام الذي اصطلح عليه المغاربة.
جاءت اللغة العربية بلاد المغرب في ركاب الإسلام، وأخذ المغاربة، أو البربر، بتعبير ذلك العصر، يتعلمونها، لأنها لغة الدين الذي ارتضوه، ولغة الحضارة التي اندرجوا فيها. لم ينطع النطق لهم، فحافظوا على لكنتهم، كما يحصل لكل متعلم للغة أجنبية حينما يتعلمها على الكبر، ومنها أنهم يبدؤون الكلمات بسكون، وهو ما لا يستقيم في اللغة العربية، ومنها القول المأثور لا تبدأ العربية بسكون ولا تنتهي بحركة، وحافظوا على معجمهم القديم حيث لا يوجد مقابل باللغة العربية أو لما أنِسوا به، ولكن الأهم هو أنهم حافظوا على بنية اللغة الأمازيغية، ولو تكلموا بالعربية، ولذلك تكاد الدارجة إلى اليوم أن تكون عربية من حيث المعجم، أمازيغية من حيث التركيب. فلْنحاول مثلا أن ننقل بعضا من التعابير السارية إلى اللغة العربية، أو أن نحدث بها عربيا فهل سيفهم عنا: «كاين البرد، جاء معك هذاك السروال، طلع لي في الراس، أداني النعاس، تابعني الطريق، اللحم اخضر، كيدي ليه، واحد الرجل، جوج مَرّات، جاب لي لله، عروس الشتا، عرس الذيب… » كلها تعابير أمازيغية هي ترجمة حرفية إلى اللغة العربية.
أما في المعجم، فالكلمات الأمازيغية التي نتداولها ونحسبها عربية، أكبر من أن تعد، حتى لا يخطر لنا على بال أنها غير عربية مثل سيفط، يسوط (الريح كيسوط)، مكفس (أكفوس، السخام)، مكرفس (من إيكرف، ربط)، دركلها (أساء العمل، من أدرغال، الكليل البصر) ، المزوار (النقيب، من أمزوارو، الأول)، التفايا (من تيتفي، اللحم)، زكل (فوّت)، كيدمير (من إيدمر، الصدر)، التبوريشة (القشعريرة)، برهوش (جرو) وهلم جرا.
هيئة التحرير
تتمة المقال تجدونها في العدد 74 من مجلتكم «زمان»، دجنبر 2019















































