ما يُحمد لبعض المراكز البحثية الرصينة في بلادنا، ولبعض الباحثين ذوي الباع الطويل، أنهم انبروا إلى تفكيك الخطاب المناهض لوحدتنا الترابية والوطنية، ومنها فِرْية، “الشعب الصحراوي“، الذي بقدرة قادر، يُقْصر على الحيّز الذي كان تحت الإدارة الإسبانية، أي أن الصحراء تكُفُّ أن تكون خارج هذا الفضاء، أو نظام العيش الذي يشمل ساكنة ما كان يعرف تاريخيا، بالساقية الحمراء، يُختزل في دائرةالحدود الموروثة عن الاستعمار الإسباني، والحال أنه إذا كنا نريد أن نتحدث عن شعب صحراوي، فينبغي أن يكون حيث توجد الصحراء، من البحر الأحمر إلى المحيط الأطلسي، ولن يقول عاقل بذلك. أول من تحدث عن «الشعب الصحراوي»، هي الإدارة الفرانكية (نسبة لفرانكو)، في الستينات من القرن الماضي، في أفق سلخها عن المغرب، ثم أعقبت ذلك بإحصاء، وأخيرا بـ“الجْماعة“، ممثلة للقبائل، حسب كوطا لكل قبيلة. والاسم الذي تُعرف به المنطقة تاريخيا، هو الساقية الحمراء، والتيرس، وزمور، في إطار وعاء شامل كان يُعرف بتراب البيضان، يلتقي فيه نظام عيش، ومنظومة مجتمعية قبلية، ولسان، هو الحسّانية، ويمتد هذا المجال من كلميم، إلى الساقية الحمراء، وتيرس الغربية والشرقية، وزمور (بالصحراء)، وتندوف (قبائل الركيبات وتجاكانت) والجزء الأكبر من موريتانيا.
ما يثير كذلك هو مصطلح الصحراء الغربية، وهو مصطلح طارئ، تبنته أدبيات الأمم المتحدة، بديلا عن “الصحراء الإسبانية“، وليس للمصطلح رسوخ تاريخي، علما أن الصحراء الغربية، في الأدبيات الاستعمارية إلى غاية الخمسينات من القرن الماضي، كانت تضم كذلك كلا من موريتانيا، ومالي، وجزءا من الجزائر الحالية .المصطلح الأممي الحالي لا يلزم المغرب ولا المغاربة، ولو أن بعض الباحثين لا يرى ضيرا في تبنيه، مع العلم أن هناك صحراء غربية في مصر… ولا أرى عيبا، إما أن نستعمل مصطلح الساقية الحمراء، يضم الصحراء المغربية المسترجعة، علما أن وادي الذهب مصطلح استعماري، أو نستعمل الصحراء، ولا عيب في ذلك، فلسنا نقول سوس المغربي، أو الريف المغربي، أو الأطلس المغربي، أو الشاوية المغربية، لأن مغربية هذه الجهات تحصيل حاصل. ما يردده الخطاب الجزائري تقويضا للخطاب التاريخي المغربي، هو أن المغرب سبق أن قبِل باقتسام الصحراء مع موريتانيا، وهو يتوخى من ذلك، أمرين، الإيحاء من أن ما أقدم عليه المغرب فعل لا يختلف عن الممارسات الاستعمارية التي كانت لا تتحرج من اقتسام أراضي، وثانيا، إذا كان المغرب قد قبل بالاقتسام سابقا، فلا شيء يمنعه من ذلك لاحقا. ويمكن الرد على هذا الخطاب من أن الاقتسام، كان فعلا مع موريتانيا، بالنظر إلى الوشائج التاريخية التي تربطه بها، إذ علاقته بموريتانيا شبيهة بعلاقة ألمانيا والنمسا، وما حق مع موريتانيا، في ظرفية معينة، لا يحق مع غيرها، وهي من تراجعت عن التزامها، غير مكرهة عليه، وليس هناك، أدنى إمكانية لاقتسام الصحراء، ولن يكونه.
والنقطة الثالثة، التي يرددها الخطاب الجزائري، أن مخطط الحكم الذاتي صناعة فرنسية، مما يشي في شيء من سوء النية، أن المغرب لم يقطع حبل السُّرة مع فرنسا، وأنها كانت وما تزال تخصه بتعامل خاص، والحال أن المغرب قدّم ثمنا غاليا لتحريره ولوحدته، ومنه رفضه المفاوضة حول حدوده مع الدولة الاستعمارية الفرنسية إلى حين استقلال الجزائر. وللتاريخ، كانت فكرة الحكم الذاتي قائمة منذ أول لقاءات سرية مع البوليساريو، منها لقاء تم في الطائف، سنة 1978، وأن الدبلوماسية الجزائرية كانت تدفع في هذا الاتجاه كمخرج، في لقاءات سرية منها ما عُقدت بالطائف وزِرالدة، وعبر وسائط، وأن المرحوم الملك الحسن الثاني، مثلما أفصح عن ذلك مستشار الملك المرحوم رضا كديرة، من قبة البرلمان في ،1980 أعرب بما يلي: «دعوا لي الطابع والعلم، وما عدا ذلك فقابل للتفاوض». وهو نفس الأمر الذي عبّر عنه الملك المرحوم الحسن الثاني، في دورة للبرلمان في العيون، سنة ،1986 في مقولته: «خيرات الصحراء تبقى في الصحراء». واهتم الملك الحسن الثاني بنظام اللاندرات الألماني، منذ الثمانينات كنموذج يحتذى لتمتيع أبناء الصحراء بالاستقلالية في تدبير شؤونهم.
أعمال العقلاء تُنزه عن العبث. ومما يُؤسف حقا، أن من يجب فيه التعقل والرصانة، بحكم المنصب الذي يشغله، ينطق بالزيف والتوهم، إن لم يكن بالجهل .وهو ما لا يُعذر عنه مسؤول.
حسن أوريد
مستشار علمي بهيئة التحرير










































