خرجنا من المباراة الصغرى، تلك التي انتظمت بمناسبة بطولة كأس إفريقيا أو “الكَانْ“، ببلادنا، لكي ندخل مباراة كبرى، هي بناء الإنسان. الرهان في تنظيم كأس إفريقيا، كان ناجحا، ولم يكن الإسهال في “تقييمات“ خارج المنطق، وخارج المنطق السليم، وخارج مربع اللعب، إلا ضريبة النجاح. الطموح في نيل اللقب مشروع، من قِبل الجماهير المغربية، والخيبة لعدم نيله مشروعة، والتأذي من الشماتة مشروع، ويتوجب تقييم ذلك في هدوء وأناة، بلا انفعال. لا يمكن للخيبة التي انتابت الجماهير المغربية، ليس لعدم نيل اللقب، لأنها الكرة، تتمخض عن فائز وخاسر، (وليس منتصر ومنهزم)، وتطبعها الروح الرياضية، أو ينبغي أن تطبعها، أن تغير توجهاتنا. ولكن لا يمكن ألا نصدح بما شاب الدورة من ابتزاز، وتشكيك، وحملة مغرضة لم تتوان منذ دور الثُّمن، وأساليب منافية للروح الرياضية، وهو الأمر الذي يسائل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم بل الفيفا، إذ ما الغاية من هذا التباري الكروي، الذي يروم تقارب الشعوب، إن خلت منه الروح الرياضية، وأصبح مرتعا للابتزاز والتضليل، والشحناء والبغضاء. أما من جهتنا فلا ينبغي للمرارة التي تكتنف جماهيرنا، أن تغير توجهاتنا الاستراتيجية، أو تفضي بنا إلى ممارسات مَقيتة، من قبيل الأحكام الجاهزة، أو ردود فعل هوجاء، أو العنصرية، أو استدعاء فج للتاريخ، لسوابق تاريخية دون وضعها في سياقها، فنحن أفارقة ونبقى أفارقة، ولا نحتاج وثيقة ميلاد من أحد، أو صك اعتراف من أي كان. بيد أن الأسلوب الذي دأبنا عليه في التعامل مع الآخر، والآخرين، لا يمكن أن يبقى كما كان، ويتوجب أن ينطبع تعاملنا مع الشركاء، أيا كانوا، بمنطق البرغماتية، بلا محاباة، ولا امتيازات، ولا تحامل كذلك أو إقصاء. لا يمكن أن تفرض على أحد أن يحبك، ولكن يمكن أن تفرض عليه أن يحترمك حين تتعامل معه كما هو، بلا انتقاص منه، بكل تأكيد، ولا إفراط في تقييمه، والغلو في التودد إليه، كذلك. وهنا بيت القصيد .ولكن الرهان الأكبر، والمباراة الكبرى، التي ينبغي أن نخوضها ونكسبها هي بناء الإنسان .وينبغي للخيبة التي انتابت الجماهير المغربية، جراء الشماتة التي أبداها “الأشقاء“ إثر خسارة مباراة للفريق الوطني، أن تتحول إلى طاقة إيجابية، لتصور جديد لأنفسنا. وساحة هذه المباراة الكبرى، هي التربية.
قد تكون المقارنة غير موفقة، مع سابقة تاريخية عرفتها ألمانيا، حين انهزمت جيوشها أمام نابليون، وأطلق الفيلسوف الألماني فيخته صرخته: “فقدنا كل شيء، وتبقى التربية“ .وكان الرهان من قِبل هذا الفيلسوف، على الجرح النرجسي الذي أصاب ألمانيا أو ابْروسيا، هو التربية. نحن لم ننهزم في شيء، ولم نفقد أي شيء، ولكن يتوجب بعد التحامل الذي جرى أثناء الكان، والشماتة التي أعبقت النهائي بعدها، أن ننظر نظرة أخرى إلى أنفسنا و إلى الآخر. علينا أن نستثمر في التربية لبناء إنسان جديد، من خلال محددات ثلاثة نطرحها، من نحن، وما الذي نريده، وطموح جماعي يستحثنا.
ندخل مرحلة جديدة محفوفة بالمخاطر في سياق عالمي مضطرب، ولن نجتازها بدون أمرين أساسيين، أولا الجدية في سلوكنا العام وتدبيرنا لشؤوننا، وثانيا، في قيام حياة سياسية حقيقية، من خلال مؤسسات سياسية فعلية وفاعلة وفعالة، وقوى حية لها امتدادات شعبية، وقيادات حقيقية. وإذا كان علينا أن نتحمل العبء فيما يَعرض للبلاد، فينبغي اقتسام المسؤولية، وألا تغدو الحياة السياسة مجرد مسرح ظلال.
ينبغي أن نفخر بما تحقق في “الكَانْ“، وألا نتحسر على ما كان، وأن نستمد من خيبة عابرة، ومشروعة، طاقة متجددة للعمل الذكي والمتواصل، من غير صخب ولا ادعاء… لا ينبغي أن نتأذى ممن لا يحبنا، ولكننا نستطيع أن نفرض عليه أن يحترمنا، شاء أم أبى، بالسير قُدُما في البناء، وعدم التواني، وقلة الضجيج، والعمل العقلاني، وألا نعتذر عما فعلنا، كما يقول محمود درويش، في أي شيء. فخياراتنا الاستراتيجية شأننا، والمعيار الذي ينبغي أن نقيسها بها، هو هل تحققت مصالحنا الاستراتيجية. وما سوى ذلك فلغو في القول، وخَطْل في الرأي. والرهان هو المباراة الكبرى التي يخوضها المواطن كل يوم، في حياته، وفي اقتضاء حاجاته، من تعليم وصحة وشغل وسكن، وينبغي أن نكسبها. هو ذا الرهان.
ورُبَّ ضارة نافعة.
حسن أوريد
مستشار علمي بهيئة التحرير












































