سمحت الانتخابات، التي عرفها المغرب في نهاية شهر شتنبر 2026، ببروز تعبير جديد في الساحة الإعلامية، ألا وهو السخرية السياسية أو الفكاهة السياسية. وهذا لا يعني أن السخرية، في شكل الكاريكاتور، لم تكن موجودة، أو أنها لم تكن حاضرة في شكل سكيتشات عبر وسائل الإعلام أو شبكات التواصل الاجتماعي، لكنها أخذت، في الحالة التي تهمنا، طابعًا جديدًا وأكثر جرأة لم نعهده من قبل. فقد تفجرت إبداعات الرسامين وصناع الفيديو بفضل الإمكانيات الهائلة التي يوفرها الذكاء الاصطناعي، وعجّت شبكات التواصل الاجتماعي بعدد كبير من الفيديوهات الكرتونية والمركبة، خاصة مباشرة بعد تكليف فاطمة المنصوري بتشكيل الحكومة الجديدة عقب الانتخابات.
وفي هذا السياق، يمكن أن نتساءل عن أسباب بروز هذه الظاهرة أو تعاظمها في هذه الظرفية بالذات. ولعل علماء الاجتماع يفسرون ظاهرة الفكاهة السياسية، أو السخرية، انطلاقًا من عدد من المحددات. فأول ما يمكن ملاحظته هو أن تنامي الفكاهة السياسية داخل مجتمع ما قد يكشف عن طبيعة علاقته بالسلطة وبذاته، وعن حدود ما يستطيع قوله عنها. ولعل إحدى دلالاته الأولى قد تكون اتساع مجال حرية التعبير، إذ لا تزدهر السخرية السياسية إلا حيث يوجد هامش يسمح بانتقاد السلطة. وينتج عن ذلك، في المقام الثاني، نشوء مسافة نقدية بين الحاكم والمحكوم. فعندما يصبح الحاكم موضوعًا للسخرية، يفقد شيئًا من هالته، ويتحول من شخصية مهيبة إلى شخصية قابلة للنقد والمساءلة. ومن ثم تعكس الفكاهة السياسية، في أحد وجوهها، نزع القداسة عن السلطة، وانتقالها من موقع الفرض إلى موقع التبرير.
لكن انتشار الفكاهة السياسية لا يعني بالضرورة قوة الديمقراطية. فقد يكون، في المقام الثالث، تعبيرًا عن تراجع الثقة في النخب السياسية، واتساع الفجوة بينها وبين المجتمع. وتصبح السخرية، في هذه الحالة، وسيلة للتعبير عن خيبة الأمل والشعور بالعجز، وصمامًا لتصريف التوتر السياسي والاجتماعي. فالمواطن الذي لا يجد دائمًا الوسائل المباشرة للتأثير في المجال السياسي، قد يلجأ إلى السخرية بوصفها طريقة لاستعادة قدر من المسافة تجاه ما يراه من تناقضات أو مفارقات.
والأهم من ذلك، في المقام الرابع، أن الفكاهة يمكن أن تكشف عن قدرة المجتمع على نقد ذاته. فالمجتمع الذي يستطيع السخرية من تناقضاته ومن ممارساته السياسية، يمتلك قدرًا من النضج والنقد الذاتي، لأن السخرية لا تتجه إلى السلطة وحدها، بل يمكن أن تشمل مختلف مكونات المجتمع. وهي تؤدي، بهذا المعنى، وظيفة مزدوجة تجاه الاحتجاج: فهي تتيح التعبير عن الرفض داخل فضاء رمزي يخفف من حدة المواجهة، ولذلك قد تكون أداة للمقاومة، كما قد تصبح في الوقت نفسه وسيلة لاحتواء الغضب المجتمعي وتفريغه.
وحتى تكون الفكاهة السياسية فعالة، فإنها تفترض وجود مخيال سياسي مشترك تتداول فيه الشخصيات والأحداث والرموز، بما يدل على حيوية المجال العام. وفي هذا الباب، نال السياسيون، خصوصًا أولئك الذين تحملت أحزابهم مسؤولية تدبير الشأن العام في تاريخ المغرب، نصيبهم من السخرية السياسية. لكن أكثر من كان هدفًا للرسامين وصناع الفيديو والمحتويات الرقمية هو زعيم حزب العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران. وليس هذا بالطبع جديدًا. فقد اعتبر رسامو الكاريكاتور وصول بنكيران إلى رئاسة الحكومة هدية من السماء ومصدر إلهام لا ينضب، كما اعتُبرت فترة رئاسته للحكومة بمثابة عصر ذهبي لرسامي الكاريكاتور، إذ أسهم حضوره السياسي والشخصي في إنعاش هذا النوع من التعبير الفني في مستواه السياسي.
ولا غرابة، إذن، في أن يُلبس الشخص نفسه أدوارًا عدة في الأعمال الساخرة التي رافقت تكليف سيدة بتشكيل الحكومة. فقد استغل الفنانون السجل المغربي الغني بالأغاني والفكاهة والغزل والتوسل والبكاء، وحوّلوا بنكيران إلى بطل في حكايات ساخرة تستعير من الذاكرة الشعبية عناصرها وألحانها وشخصياتها. وعاد بعضهم إلى أغاني حميد الزاهير، وإلى أغنيته الشهيرة التي يتوسل فيها إلى لالة فاطمة طالبًا منها أن تتكرم عليه ولو بكلمة صغيرة، حين يقول، في معنى الأغنية: بادرتُ بالقول «صباح الخير»، لكنك لم تردِّ عليّ، أو كنتِ مشغولة بغيري ولم تعيريني اهتمامًا؟ وقد أُعيد توظيف هذا المقطع داخل رسم كاريكاتوري متحرك ساخر، كما استفاد آخرون من الأغاني الهندية التي تسكن المخيال المغربي، بما تتضمنه من صور الرجل الذي يتوسل إلى امرأة تمانع ولا تستجيب.
وعلى الرغم من أن جل رؤساء الأحزاب نالوا نصيبهم من هذه السخرية، فإن بنكيران كان له النصيب الأكبر منها. ويمكن فهم ذلك أيضًا بالنظر إلى طبيعة حضوره السياسي. فقد أصبح الرجل، قبل تقلده منصب رئاسة الحكومة، شخصيةً كرنفالية في الحياة السياسية؛ أي شخصيةً تتيح ملامحها وخطابها وطريقة حضورها مادةً غنية للسخرية والكاريكاتور. ولذلك، لم يكن غريبًا أن يستعيد الفنانون شخصيته في أدوار مختلفة، وأن يحولوها إلى مادة للفكاهة السياسية، مستفيدين من الأغاني والموروث الفكاهي والصور التي يستحضرها المخيال الشعبي.
موليم العروسي
مستشار علمي بهيئة التحرير








































