في النقاشات السياسية المعاصرة، يظهر مصطلح الشعب على أنه أداة مرنة في الخطاب، يستخدمها بعض السياسيين بحسب أهدافهم وطبيعة جمهورهم. ففي الخطاب الرسمي والاحتفالي، يُقدم الشعب على أنه مجموع المواطنين الذين يمثلون مصدر السلطة والسيادة في الدولة، والذين يتميزون عن النخبة أو الجماهير بقدرتهم على المشاركة واتخاذ القرار. هذا الاستخدام يحوّل الشعب إلى رمز للشرعية السياسية، ويؤكد على دوره كفاعل سياسي له حقوق ومسؤوليات، وهو خطاب شائع في المهرجانات والبيانات الرسمية والخطب الانتخابية، حيث يُبرز السياسيون أنفسهم كخدام للشعب وكمستمعين لصوته، سعياً لكسب الدعم والتأييد.
في المقابل، كثيرًا ما يُستعمل مفهوم الشعب بطريقة أكثر استراتيجية لإغراء الفئات الاجتماعية المختلفة، خصوصًا الفقراء والمهمشين، حيث يُصور الشعب على أنه رمز للمقهورين الذين تتجاهلهم السلطة أو النخبة .هنا تتحول الكلمة من دلالة سياسية محايدة إلى أداة تعبئة واستقطاب، إذ يسعى السياسيون إلى جذب التعاطف والدعم من خلال التأكيد على الاهتمام بالمحرومين والفئات الضعيفة. هذا الاستخدام يبرز البُعد الاجتماعي للشعب ويظهره كمجموعة تتعرض للظلم، وليس مجرد مجموعة من المواطنين تتشارك الحقوق والواجبات المدنية .لكن الشعب، بالمفهوم الذي يهمنا في هذا السياق، لا يقتصر على كونه فاعلاً سياسيًا أو موضوعًا للخطاب الانتخابي، بل هو قدرة خلاقة تنتج الثقافة والحضارة من خلال صراعاتها اليومية وتضامنها اللاواعي .فالأنشطة اليومية للأفراد، وعاداتهم، وتقاليدهم، وسلوكياتهم الاجتماعية تشكل ما يمكن تسميته بـالثقافة الشعبية، وهي مخزون معرفي وتجريبي يتراكم عبر الزمن، ويصوغ أشكال التعبير الفني، الأدبي، والموسيقي، بالإضافة إلى القيم والمعايير الاجتماعية. من هذا المنطلق، يصبح الشعب فاعلًا حضاريًا، ليس فقط كونه مجموعة تتصرف وفق إرادتها السياسية، بل كمنتج متواصل للمعرفة والثقافة التي تشكل أساس المجتمع وعموده الفقري. مع ذلك، يُميز المثقفون بين الثقافة الشعبية والثقافة العالمة في التحليل الاجتماعي والسياسي .فالثقافة العالمة تُعَرَّفُ بأنها مجموعة المعارف المكتوبة والمنهجية، التي يحفظها المثقف الأكاديمي أو المبدع العارف، وتُدرس ضمن المؤسسات التعليمية والمراكز البحثية .أما الثقافة الشعبية فهي أكثر مرونة وحيوية، تقوم على الممارسة والتجربة اليومية، وغالبًا ما تنتقل شفهيًا أو من خلال الطقوس والعادات والتقاليد. لذا، يختلف المثقف العالِمُ عن المجتمع في مصدر ثقافته، لكن الثقافة الشعبية، رغم كونها أقل ظهورًا في الخطاب الرسمي، تلعب دورًا مركزيًا في تشكيل الهوية الجماعية وإنتاج أشكال التعبير الجماعي.
علاقة الشعب بالثقافة الشعبية تعكس دينامية مستمرة بين الممارسة اليومية والإبداع الاجتماعي. فالفنون الشعبية، الأمثال والحكايات، والأغاني، والرقصات التقليدية ليست مجرد منتجات جمالية، بل هي وسائل تواصل معرفي وتعبير عن تجربة جماعية. من خلال هذه الثقافة، يكتسب المجتمع أدواتٍ لفهم نفسه، وتنظيم حياته، وتوجيه سلوك أفراده ضمن مجموعة القيم المشتركة. كما أن الثقافة الشعبية تُسهم في إنتاج أشكال من المقاومة الرمزية أو النقد الاجتماعي، حين يستخدم الناس طريقتهم الخاصة للتعبير عن مظالمهم، أو للاحتفاء بهويتهم وخصوصياتهم المحلية.
هذا يوضّح أن الشعب ليس مجرد متلقٍ للخطاب السياسي أو مراقب للقرارات الحكومية، بل هو فاعل تاريخي وثقافي .وعندما يُنظر إلى الشعب من هذا المنظور، تتضح أهمية الاعتراف بالثقافة الشعبية كجزء من المعرفة الحضارية، وليس كموضوع ثانوي تهمشه المؤسسات أو تقتصر عليه النخبة الأكاديمية. فالثقافة الشعبية تحمل في طياتها خبرة جماعية تراكمية، وأساليب مبتكرة في التعامل مع الحياة اليومية، كما أنها تخلق روابط اجتماعية قوية وتعمل كشبكة دعم غير رسمية تساعد على التماسك الاجتماعي في مواجهة الصعوبات.
فمفهوم الشعب متعدد الأبعاد: فهو مصدر للسلطة والسيادة، أداة للتعبئة السياسية، ورمز للفئات المهمشة، وفي الوقت ذاته منتج للثقافة والحضارة. ولإدراك دوره الكامل، من الضروري تجاوز الاستخدام السياسي الضيق للمصطلح، والانتباه إلى قدرته على إنتاج المعرفة الشعبية والصراعات الثقافية التي تصنع هوية المجتمعات .كما أن التمييز بين الثقافة الشعبية والثقافة العالِمة يجب ألا يتم على حساب ما ينتجه الشعب لأنه بدون ذلك لن نفهم العلاقة بين المواطنين والمجتمع، بين الممارسة اليومية والمعرفة الأكاديمية، وبين التعبير الشعبي والإبداع الحضاري.
وعندما نتحدث عن ثقافة شعب فإننا بطريقة أو أخرى لا ننظر إليه من باب الصراع السياسي، أو الطبقي، أو الجهوي، أو العرقي، لكننا نتحدث عن حضارة شعب عن وضع تنتفي فيه الفوارق ويرقص الجميع على نفس الأنغام ويطرب لنفس الموسيقى والشعر ويتأمل نفس الأشكال الجمالية. لكن هذا لا ينفي أننا في الميدان السياسي وميدان المصالح قد نتصارع ونتجادل ونتفرق ونختلف.
موليم العروسي
مستشار علمي بهيئة التحرير












































