المظاهرات التي عرفتها بلادنا مؤخرا ذات طبيعة اجتماعية تظهر أن الخلل في الشأن الاجتماعي بنيوي، رغم ما بُذل من برامج في مد الكهرباء والماء، وفك العزلة، ورغم برامج طموحة، ذات طبيعة اجتماعية، أو في مشروع تنموي بديل، ولكنها انتفشت، ولم تكن في مستوى التحدي .أبانت مسيرة أيت بوكماز (يوليوز الماضي)، عن مغرب خارج التغطية، ومسيرات العطش في الأطلس المتوسط، الخزان المفترض للماء (غشت)، عن ضرورة عدالة مجالية، ووقفات احتجاجية أمام المستشفيات عن الوضع المزري في قطاع الصحة (شتنبر)، ويمكن أن نضيف التذمر الذي يسود في قطاع التعليم، من داخل الأسر، والهيئات التدريسية، لإصلاح لم يبرح الأماني، إذ ينسخ برنامج إصلاحي برنامجا سابقا. نحن أمام واقع بنيوي، للمسألة الاجتماعية، يكتسي طابع قنبلة موقوتة.
هناك من دون شك أسباب تتجاوز الحكومة أو الحكومات، ومنها التضخم، منذ كوفيد، وسنوات الجفاف وهناك أخرى مرتبطة بسوء خيارات، كالمغادرة الطوعية والتي شملت قطاعات حيوية، ولكن هناك أشياء لا يمكن أن تعزى لعوامل خارجية بل لسوء الحكامة. ومنها الوسائل الضخمة، والنجاعة المذهلة، في تنفيذ البرامج المتعلقة بالتهيؤ لمونديال .2030 وهو أمر مشروع .ولكن ما ليس مشروعا، الوسائل الضخمة لأشياء ليس من الأولويات …والذي لا يُفهم هو أن النجاعة التي تأخذ بها الدولة، في برامج المونديال، تتخلف في إعادة إيواء ساكنة الحوز …ومرد ذلك التقيد المفرط بالمساطر، لأن الخوف عشش في أذهان كثير من الإداريين، لأنهم إن أرادوا النجاعة، تحللوا من المساطر، وهي ثقيلة، ومُثبطة، ويمكن للأمر أن ينقلب عليهم، من خلال الافتحاصات والتفتيشات، وإن احترموا المساطر وتأخر الإنجاز…
ولكن هناك شيئا آخر، يجعل المسألة الاجتماعية تكتسي طابعا حادا، وهو ازدياد الفوارق الاجتماعية، ذلك أن فئة قليلة ازدادت ثراء، من خلال وضع ريعي، أو احتكاري، أو مزجها ما بين المال والقرار، وشرائح واسعة، تقلصت قدرتها الشرائية، ومنها من هوى في دائرة الفقر، ومنها من كان فيه ولم يبرحه.
هذا التفاوت هو ما يُغذي الحنَق .وتُسعف وسائل التواصل الاجتماعي، في معرفة ما يجري، ولقط الاختلالات، وكذلك توظيف التذمر.. لدينا منظومة طبية متطورة، بوسائلها المادية، وطواقمها، ولكن للأغنياء، ومنظومة متهالكة في القطاع العمومي، للشعب، وقل الشيء نفسه عن منظومة التربية، من جامعات حرة ليس لها ما تغبط عليه مؤسسات غربية من حيث الوسائل والبرامج والأطر، ولكنها لا تشكل قاطرة للتعليم العمومي، وتستنسخ سابقة جامعية (الأخوين)، التي أريد لها أن تكون قاطرة وبوتقة وتعليم عمومي، هو كما سيارة انتفشت عجلتها، لا تتحرك، ولا تحمل راكبا .المطالب الاجتماعية أصبحت ملحة أكثر من أي وقت مضى… لا يمكن للمسألة الاجتماعية أن تنتظر، أولا بالنظر للخصاص القائم، والاختلالات المستشرية، ولكن بالنظر لسياق محلي وإقليمي مضطرب، ويمكن أن توظف قضايا إقليمية لتأجيج الوضع الاجتماعي.
الحل ليس في منع التظاهرات أمام المستشفيات، وإنما في حوار الحكومة مع كل الفرقاء، من أحزاب ونقابات، حتى تلك التي هي في المعارضة، ليس فقط حول مطالب قطاعية، ولكن في إطار نظرة شمولية، وكذلك في قدرة على التواصل مع الشعب… ليس الحديث من أجل الحديث…
وثانيا، أن تراجع الدولة قواعد العمل، من خلال التقييد المقيت بالمساطر مما يشل العمل…
ليس العيب أن تعبر الجماهير عن حاجاتها في مدرسة عمومية تؤهل فلذات أكبادها للارتقاء الاجتماعي، ولا في مؤسسات صحية تعالجها، وتصون كرامتها، وليس العيب أن ينقل أصحاب الرأي هذه المطالب، ولكن العيب كل العيب، هو هذه الرؤية التي لم يعد لها مبرر، من أن خلق الثروة، من شأنه أن يعم كافة الشرائح، وهو ما لم يثبت سداده .المسألة الاجتماعية ليست مقطورة، وإنما هي استثمار في الإنسان، وهي حُؤول ضد الانفلات، وبالأخص في سياق ملتهب.
حسن أوريد
مستشار علمي بهيئة التحرير









































