في هذا الحوار، مع عبد الجليل بوزوگار، مدير المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، نغوص في أعماق الأرض لنكشف أسرار الماضي والحاضر، ونتعرف على أحدث التقنيات والكفاءات المغربية في التنقيب الأثري، ونستشرف أيضا مفاجآت أثرية مقبلة.
كيف يستثمر المعهد في الاكتشافات الأثرية الأخيرة لا سيما بين 2017 و 2026 لتطوير مناهجه وتوسيع نطاق عمله؟
هناك العديد من الاكتشافات التي حدثت قبل هذا التاريخ، ولكن نظرا لغياب وسائل التواصل المتاحة حاليا، فإنها لم تستفد من التعريف اللازم، وأذكر على سبيل المثال الأبحاث التي أجريت بموقع “الدشر الجديد“ بالقرب من مدينة أصيلة، أو الاكتشافات الأولى خلال أواخر الثمانينيات من القرن الماضي بمواقع ما قبل التاريخ بالدار البيضاء، وقبلها اكتشافات بمواقع أخرى بالضاحية الجنوبية للرباط إلى حدود وادي يكم .وفي سنة ،2007 تم نشر نتائج أقدم حلي في العالم من طرف الأكاديمية الوطنية للعلوم بالولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما سلط الضوء على جزء من الاكتشافات الأثرية، مع الاستفادة من التغطية الإعلامية الدولية. ويبقى اكتشاف أقدم إنسان عاقل ونشره بمجلة “طبيعة“ سنة ،2017 من أبرز ما ساهم في التعريف بشكل كبير بالاكتشافات الأثرية بالمغرب، وتلتها بعد ذلك عملية نشر نتائج أخرى همت بالأساس فترات ما قبل التاريخ.
وماذا عن الفترة الأخيرة؟
ستشكل سنة 2023 نقلة نوعية فيما قد أسميه الجيل الجديد من الأبحاث بمواصفات عالمية ومن طرف فرق مغربية. وأكبر مثال يهم الحفريات الجديدة والتي ما زالت مستمرة بموقع “شالة–عين أجنة“ خارج منطقة السور المريني، حيث يقوم فريق مغربي بتنقيبات أركيولوجية هي الأكبر من نوعها لما بعد فترة الحماية، حيث وفرت وزارة الشباب والثقافة والتواصل إمكانيات مهمة، مكنت من استعمال تقنيات حديثة تضاهي كبريات أوراش التنقيب في العالم، ووسائل مادية مكنت من تكوين فريق شاب ومتمكن، يقوده أستاذ باحث بالمعهد يعد مرجعا دوليا في مجال اختصاصه. وفي نفس السنة، انطلقت حفريات واسعة بموقع سجلماسة، الذي شكل لقرون مركزا ربط المغرب بعمقه الإفريقي، وهو ما أعطى مرة أخرى دفعة كبيرة للأبحاث التي يقوم بها الباحثون المغاربة، وهو أمر مهم، خاصة وأن الفريق يضم العديد من طلبة الدكتوراه الذين يتابعون تكوينهم بالمعهد، وتقوده أستاذة باحثة مغربية تابعت دراستها بالكامل بالمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث. هذان الورشان الكبيران أسفرا عن نتائج بالغة الأهمية، وشكلا تحولا سريعا إلى فضاء لتكوين باحثي المستقبل، ويعتبران مثالا لباقي المشاريع البحثية التي يسهر المعهد على تسييرها. فقد أسفرت حفريات شالة عن اكتشاف آثار المدينة المورية–الرومانية للقرن الثاني بعد الميلاد، وهناك دلائل تشير إلى ما هو أقدم، كما تم العثور على حمام ومرافقه هو الأكبر من نوعه بالمغرب، ومنازل، ولأول مرة الحي المينائي، بالإضافة إلى تمثال هو الأول من نوعه يكتشفه فريق مغربي، والأول المكتشف بالمغرب منذ أكثر من 60 سنة. أما بموقع سجلماسة، فإن الحفريات المهمة مكنت من العثور على أقدم مسجد مؤرخ بالمغرب يعود إلى القرن الثامن، ولأول مرة على حي علوي متكامل، وآثار لسك النقود الذهبية، وزخارف فريدة على الخشب تعود للعهد العلوي، بالإضافة إلى العديد من اللقى الأثرية التي تؤرخ لحوالي 10 قرون من تاريخ الموقع. كل هذه الاكتشافات أعطت دفعة قوية للبحث الأثري بالمغرب، إلى درجة أنه يمكن الحديث عن مدرسة مغربية.
إلى أي حد ساهمت اكتشافات ما قبل التاريخ في إحداث ثورة علمية وإسقاط بعض المسلّمات حول تاريخ المغرب؟
من المهم الإشارة إلى أن علم الآثار هو مساعد للتاريخ، وحسب رأيي فالفرق الجوهري يكمن في اعتماده الكبير على الشواهد المادية. وبما أن فترة ما قبل التاريخ لم تعرف التدوين، وتعتمد بشكل حصري على هذا النوع من الشواهد، فإن ما يتم العثور عليه يساهم بشكل كبير في إعادة النظر في بعض ما كان يُتداول في السابق، والذي وجد البعض منه طريقه إلى المقررات الدراسية. كنا نقرأ مثلاً أن أصل الزراعة جاء من الشرق، بينما منذ عام 2004، وبعد دراسة حبوب القمح بموقع كهف تحت الغار بناحية تطوان، تبين أن تاريخها يعود إلى أكثر من 6 آلاف سنة، وهو أمر لا يمكن أن يحدث دون وجود آثار للاستقرار، وهو ما أظهرته دراسة نشرتها الأكاديمية الوطنية للعلوم بالولايات المتحدة سنة 2014 حول مؤشرات قوية تهم أحد أقدم أنماط العيش المستقر، إن لم يكن الأقدم على الإطلاق، والذي وُجد بشمال شرق المغرب بتافوغالت، ويتمثل في الاعتماد الكبير على الموارد النباتية دون قطع مسافات طويلة لجلبها. نمط العيش هذا سيبلغ مداه من خلال ما تم اكتشافه من نشاط فلاحي بوادي بهت، والمؤرخ كما أسلفت بحوالي 3 آلاف سنة قبل الميلاد. وهناك أمثلة كثيرة لا يسع المجال لذكرها. وإذا كانت هذه الاكتشافات تستمد قوتها وموثوقيتها من خلال النشر العلمي المحكم، فلا ينبغي تحميلها أكثر مما تستطيع؛ حيث من الواجب الاحترام لما هو مذكور في النشر العلمي، ويجب التقيد بالقواعد الصارمة للبحث دون اللجوء إلى ليّ عنق النتائج، بل الأهم هو الشعور بمسؤولية المشاركة في بناء المعرفة الخاصة بجزء كبير أو صغير من تاريخ البشرية، وليس فقط تاريخ المغرب.
ما هي أحدث التقنيات للتنقيب في المياه، وكيف يمكن أن تساهم في الكشف عن جوانب جديدة من تاريخ المغرب؟
في إطار إعادة هيكلة تخصصات السلك الأساسي بالمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، تم سنة 2023 إحداث مسلك خاص بالتراث الثقافي المغمور بالمياه، وسيتخرج أول فوج مع نهاية السنة الجامعية الحالية. وقد خضع الطلبة الراغبون في استكمال دراستهم ضمن هذا التخصص إلى عملية تهييء وانتقاء، بدأت بالاستفادة من تكوين خاص في التصوير، ثم الخضوع لفحص طبي، وإلى تدريب خاص بالغوص من المستوى الأول قبل قبولهم للدراسة في هذا التخصص. وإلى جانب التكوين، تم تزويد المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بتقنيات حديثة من نوع “صونار“ متطور يصل مداه إلى عمق 300 متر، تم اقتناؤه للبحث عن الميناء القديم لموقع شالة الأثري، ثم بعد ذلك تمت الاستعانة به للبحث عن الموانئ القديمة بالصويرة، أو حطام السفن التاريخية مثلما كان عليه الأمر بساحل الداخلة. كما أن توفر المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث على هذا النوع من التكنولوجيا، جعله يساهم في البحث عن حطام سفن كانت تنتمي لدول أجنبية وترغب في تحديد أماكنها، كما هو الحال فيما يخص مشروعاً مع مؤسسة جامعية فرنسية. لقد تم التركيز كثيراً على التراث الثقافي في اليابسة، غير أن ما تختزنه الواجهتان المتوسطية والأطلسية ومصبات الأنهار وأعماق البحيرات لا يقل أهمية، ويتطلب المزيد من الأبحاث وجهداً أكبر في التكوين.
هل تمكن المعهد من إرساء بنية مخبرية تغنيه عن اللجوء للمختبرات الأجنبية؟
بفضل الدعم الكبير لوزارة الشباب والثقافة والتواصل، رُصدت إمكانيات مهمة لإعادة هيكلة المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، عرفت على إثره إضافة مرافق جديدة مثل مكتبة حديثة تحتوي على حوالي 80 ألف عنوان، وطابق تحت أرضي مجهز للحفاظ على الفائض من الكتب الموجهة للمعارض أو التبادل مع مؤسسات أخرى، إلى جانب العديد من قاعات الدرس وقاعة للمحاضرات حسب المواصفات المتعارف عليها، ومقصف عصري ومجهز بالكامل، وفضاء لإيواء بعض الباحثين وبعض الطلبة الوافدين على المعهد. وتبقى المختبرات من أهم الفضاءات الجديدة بالمعهد، وتتمثل في مختبر الحمض النووي الأحفوري والذي يُعد فريداً من نوعه بإفريقيا من حيث التجهيزات، التي لا تقل جودة عن تلك الموجودة بأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، اللتين تتصدران البحث والنشر العلمي في هذا المجال. كما أن المعهد يتوفر على مختبر في التأريخ بتقنيتي الإشعاع الضوئي، وهو في طور حيازة مختبر آخر للكربون 14، وتوصل مؤخراً بالميكروسكوب الإلكتروني الطيفي وتجهيزات أخرى ستساعد في القيام بكل العمليات الخاصة بالمختبر، والتي كانت تتطلب إرسال العينات إلى الخارج.
وهل ينفتح المعهد على إدماج تخصصات أكاديمية جديدة تواكب التطور المتسارع في مجال البحث الأثري؟
نظراً لغياب الإمكانيات المادية والموارد البشرية عالية التخصص في المختبرات، ظل المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث محروماً من الانخراط في إدماج التكنولوجيات الحديثة في مناهجه الدراسية وفي الأبحاث التي يشرف عليها. ولكننا اليوم نشهد إرادة قوية لتطوير علوم الآثار والتراث ببلادنا، وهو توجه ظاهر للعيان، وإننا على يقين أنه مع اشتغال مختلف المختبرات بطاقتها القصوى، فإن ذلك سينعكس على التخصصات الأكاديمية، وأولها الترميم والصيانة لما يتطلبانه من مهارات تقنية، والأركيولوجيا الرقمية ودورها العلمي وكذلك في تثمين التراث الثقافي، بالإضافة إلى تخصصات أكاديمية دقيقة تهم الدراسات الجينية للإنسان والنبات والحيوان، دون إغفال تخصصات في التأريخات باستعمال ثلاث تقنيات على الأقل. كلها تخصصات تهم الجانب التكويني وأيضاً البحث العلمي، ومطلوبة داخل المغرب وخارجه.
أين وصل مشروع رقمنة الأرشيف الأكاديمي للمعهد لجعله متاحاً للباحثين المغاربة والأجانب؟
يفوق عمر المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث 40 سنة، وسبقته لسنوات عديدة مصلحة الآثار، مما يعني تراكم رصيد من الأرشيف بالغ الأهمية هو بمثابة “ذاكرة“ للأبحاث وللباحثين أيضاً. ولكن عملية صونه تعتريها صعوبات كثيرة يمكن أن ألخصها في تشتته على بعض المصالح داخل المغرب؛ حيث إن جزءاً منه موجود بالمقر القديم لمصلحة الآثار، حيث يوجد متحف التاريخ والحضارات بالرباط، وموضوع رهن إشارة الباحثين والطلبة. يوجد أيضاً جزء من هذا الأرشيف بمحافظات بعض المواقع التي عرفت حفريات كبرى مثل وليلي، والبعض الآخر موضوع بمفتشيات المباني والمواقع، وجزء بالمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، وعدد كبير من هذا الأرشيف يوجد في الخارج وتحديداً بفرنسا وإسبانيا لاعتبارات تاريخية. بالنسبة للبرامج الجديدة التي يشرف عليها المعهد، فهي تتوفر على معطيات ووثائق مرقمنة، العديد منها غير مفتوح في وجه الباحثين والطلبة إلى غاية استكمال عملية النشر العلمي من طرف الفرق العلمية. من الواجب أولاً تجميع هذا الأرشيف أينما وُجد داخل وخارج المغرب، والقيام بعد ذلك برقمنته ووضعه رهن إشارة مؤسسة “أرشيف المغرب“ ليصبح متاحاً للجميع قصد الاستفادة منه.
ما هي أبرز التحديات التي تعرقل عمل عالم الآثار اليوم: ضعف التمويل، عامل الزمن، غياب التقنيات، أم التغيرات المناخية؟
يمكن أن أقول كل هذا باستثناء التغيرات المناخية والتي قد يكون لها تأثير على المدى المتوسط أو البعيد. حسب اعتقادي إذن، فإن أبرز عائق هو التكوين الجيد والتمويل، وقد أضيف أخلاقيات البحث العلمي من وضوح في المنهج، وصرامة في الحصول على المعطيات، وصدق في التحليل، وموضوعية في عرض النتائج. علم الآثار مثل كل العلوم، يتطلب الوقت والجهد والإمكانيات البشرية والتقنية والمادية. وتنبغي الإشارة هنا إلى أن التداريب الميدانية السنوية هي إجبارية بالمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، ويقوم هذا الأخير بتغطية نفقاتها بالكامل، ذلك أنها تشكل فرصة للاحتكاك بالميدان أو بالمختبر والحسم النهائي في اختيار علوم الآثار والتراث كتخصص، هي إذن نوع من المساعدة في التعرف على صعوبة التخصص. كما يتم إشراك الطلبة في برامج الأبحاث مما يكسبهم خبرة في تدبير أوراش البحث وصقل معارفهم.
هل تتوقعون أن باطن الأرض في المغرب ما يزال يخبئ اكتشافات علمية كبرى؟
لا أتوقع، بل أعرف ما هو قادم من خلال ما تكتشفه مختلف الفرق العلمية، وواجب التحفظ يفرض عليّ عدم الحديث عن هذه الاكتشافات قبل نشرها. وهي على كل حال في علم من قاموا بالاكتشافات ويتم إخبار المسؤولين بتفاصيلها.
حاوره غسان الكشوري















































