لم ينقض أسبوعان على الحرب الدائرة رحاها في الخليج، والتي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، حتى فوجئ المواطنون بارتفاع صاروخي لأسعار المحروقات، مع الانعكاس المترتب على كافة المواد والخدمات، في ظل احتقان اجتماعي، وعودة المسألة الاجتماعية، والتزام الدولة بإيلائها الأهمية، خاصة على خلفية ما طرأ من احتجاجات “جيل زد“.
رُبّ قائل إن علّة رفع أسعار المحروقات هو الحرب القائمة وإغلاق مضيق هرمز… والحكومة غير مسؤولة عن الحرب، وعن إغلاق المضيق وما ترتب عنه من ارتفاع أسعار البترول… ولكنها حجة واهية؛ أولا، لأن البترول الذي يَعبُر من هرمز يهم أسواق آسيا، وبخاصة الصين واليابان، وهو في مجموعه لا يشكل إلا خُمس حجم المحروقات المنقولة. ولكن الأهم، هو أن كل دولة تسعى إلى يكون لها احتياطي لا ينبغي أن يقل عن 60 يوما، فكيف يسوغ رفع سعر المحروقات والحرب لم تستوف هذه المدة؟ فهل غاب عن الحكومة النظرة الاستراتيجية وتوفير مخزون احتياطي وقد مرت البلاد بتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية؟ وهل كان يعز على الحكومة أن تتواصل مع المواطنين قبل اتخاذ قرار رفع بدرهمين للتر من “الدييزيل“ و“البنزين“، هي أعلى زيادة في مرة واحدة، لأسعار المحروقات منذ صدمة البترول لسنة 1974؟
ظل قطاع المحروقات من القطاعات الحساسة التي كانت رقابة البرلمان لا تستطيع أن تنفذ إليها، في ظل عدم الشفافية من حيث الإمدادات، بما فيه الأسواق السوداء وأسعارها المتدنية، مقارنة مع الأسعار المرجعية في السوق العالمية، وفائض الأرباح الذي يحققه الموزعون من خلال أسعار السوق والأسعار المرجعية، وأوضاع شبه احتكارية، ولم يستطع مجلس المنافسة أن يفتحص الدجاجة التي تبيض ذهبا، وتمت التضحية بالقيمين على المجلس، والإبقاء على وضع ريعي لفائدة شركات معينة يقوم عليها أشخاص نافذون، وتم حرمان صندوق الدولة من إيرادات بناء على هذا الوضع. ولا عيب أن يغتني الأغنياء فيما ينتجون، ويبتكرون، وحينما يغامرون، ولكن العيب كل العيب حين يكون الغنى ناتجا عن وضع ريعي، وحين يكون هناك تداخل ما بين الموقع السياسي والمصلحة الاقتصادية، وهو ما يسمى بالأوليغارشية، وهي ظاهرة سيئة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ولا يمكن لبلد يقوم على توازنات دقيقة، منها ما هو سياسي وجهوي وعقدي وثقافي ويفلح فيها، بل أن يصبح مرجعا ومثالا، أن يفشل في التوازنات الاجتماعية، ومنها الحد من أوضاع احتكارية.
بدا واضحا من خلال احتجاجات “جيل زد“ أن العجز الاجتماعي مقترنا بالوضع الأوليغارشي يتهدد أمن البلاد، واستطاعت البلاد أن تتجاوز الوضع ويلتقط المسؤولون الرسالة، بيد أن رفع أسعار المحروقات، بنسبة عالية، يعيد العداد إلى الصفر، والمسألة الاجتماعية إلى الواجهة…
طبعا، هناك اعتبارات تتجاوز الحكومة، أية حكومة، في أي بلد، منها الأسواق العالمية وتقلباتها، ولكن الحكومة في هذه الحالة، تتواصل مع الرأي العام، وتشرح له وتهيئه.
ولا تعدم الدولة أدوات للتخفيف من عبء تداعيات ارتفاع الأسعار الدولية للمحروقات، منها صندوق المقاصة، والصناديق السيادية، وعلاقاتها الدولية، سواء مع المؤسسات المالية، أو الدول المصدرة للبترول. رفع أسعار المحروقات ليس مجرد إجراء تقني، ولا يمكن العبث بالقوة الشرائية للمواطنين في ظرفية احتدمت فيها المسألة الاجتماعية. الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين يدخل ضمن الأهداف الاستراتيجية للدولة، شأنه شأن الوحدة والأمن، والاستقرار لا يتحقق برفع تكلفة العيش. لا نفشي سرا أن ما نكتبه هنا هو بإيعاز من المواطنين أوحوا لنا أن نتحدث عما يتصدر اهتماماتهم فيما يخص قدراتهم الشرائية، وخشيتهم من استفحال ارتفاع أسعار المحروقات، واحتدام التوتر الاجتماعي. وكما يقول التعبير: من عرف الغاية عرف الوسيلة. فكفى قصفا لجيوب المواطنين. والنظرة الحصيفة للقضايا الاستراتيجية هي تلك التي لا تميز بين البلد وبين المواطنين، هذا من أولئك.
حسن أوريد
مستشار علمي بهيئة التحرير












































