يعتزم البرلمان المغربي التصويت على قانون يجرم إطعام الحيوانات الضالة من كلاب وقطط وطيور وغيرها. وإذا كانت ظاهرة الحيوانات الضالة قد طرحت مشاكل أمنية وصحية عديدة، فإن هذا القانون لا يبدو أنه يروق لعدد من المغاربة الذين بدأوا يتحركون لمحاربته .فالحيوانات الضالة يمكن أن تكون ناقلة خطيرة للأمراض المعدية، وفضلاتها تحول بعض المدن، منها الدار البيضاء، إلى مزابل حقيقية، بل وبعضها الآخر يشكل خطراً مباشراً على حياة المواطنين والزوار، فقد نشرت الصحف الوطنية حوادث هجوم كلاب ضالة على أطفال ومواطنين أدت أحياناً إلى وفاة الضحايا .ومع ذلك، خرج بعض الغاضبين في الشوارع ينددون بالقانون ويطالبون بإلغائه، مستخدمين حججاً متعددة من الرفق بالحيوان، إلى الاستشهاد بتجارب دولية، أو حتى التمسك بروايات تقول إن الصحابي أبي هريرة كان يعتني بقطة تتبول وتأكل وتنام في كم عباءته، وأن الرسول نصحه بترك الحيوان يفعل ما يشاء، ومن هنا جاء لقبه “أبو هريرة“، فاستند بعض المؤمنين إلى هذه الرواية لرفض القانون دفاعاً عن الحيوان.
وفي باب آخر لا يقل أهمية، أقرت الحكومة المغربية، نظراً لتفاقم الحوادث الخطيرة والمميتة، تحديد سرعة الدراجات النارية في أربعين كيلومترًا للساعة، مع سحب الدراجة ممن يخالف هذا السقف. جاء القانون استجابة لشكاوى المواطنين الذين ضاقوا ذرعاً بفوضى الدراجات النارية التي تتجاوز القانون، لا تتوقف عند الضوء الأحمر، ولا تحترم علامات “قف“، وتزيد السرعة، بل وتسير أحياناً في الاتجاه المعاكس، وعندما يمنعهم ازدحام السيارات، ينطون بدراجاتهم فوق الأرصفة متحدين كل القوانين. عند صدور القانون، تنفس المواطنون الصعداء وصفقوا لحزم الحكومة، كما صفقوا لمشروع القانون الذي يجرم إطعام الحيوانات الضالة بغرامة ثقيلة وحدها كفيلة بردع الخارجين على القانون.
لكن ما إن بدأت الحكومة في تطبيق قانون الدراجات النارية حتى انبرت فئات معينة، تقتسم نفس المصالح، لمعارضته. كما أصبح محبو الحيوانات قوة منظمة لها إمكانياتها الذاتية وشعاراتها، مستندة إلى الأحاديث النبوية الصحيحة أو المكذوبة. أما أصحاب الدراجات النارية، والذين يبدو أن عددهم يتجاوز المليون، فقد غزوا وسائل التواصل الاجتماعي في تحد واضح لقرارات الحكومة، مهددين باتخاذ التدابير اللازمة للدفاع عن حقهم في السرعة المفرطة والسيطرة على الطرق العامة. ويظهر أن محركي هذه الأمور يحاولون استغلالها في الانتخابات، وهذا ليس أمراً جديداً. فكما حدث في فرنسا مع الرئيس الراحل فرانسوا ميتران، الذي، حين أخبره فريق حملته سنة 1988 بأن هو وخصمه جاك شيراك قد يتقاسمان نفس عدد الأصوات، عمد إلى إبراز قضية تمس عدداً كبيراً من المسنين، ألا وهي مشكلة الحيوانات الأليفة، سعياً لكسب أصوات إضافية .تأسف فرانسوا ميتران خلال مقابلة تلفزيونية (وجها لوجه مع منافسه جاك شيراك) على أن الحكومة لم تولِ اهتماماً بهذه الفئة، وكاد أن يذرف الدموع وهو يتحدث عن دور الحيوانات في توفير الأنس والحنان لكثير من المواطنين. ومن المعلوم أن جاك شيراك كان حينها هو الوزير الأول.
على صعيد المغرب تحولت القضية إلى أوراق انتخابية وفرض النقاش الدائر على الحكومة سحب قانون الدراجات النارية ولا ندري هل سيناقش قانون الحيوانات الضالة في البرلمان.
ولعل أغرب ما شاهدته، فيما يتعلق بالمصالح، شاب يدافع بشراسة عن الحيوانات ويؤكد أن كل من يرفض إطعام حيوان لا حول ولا قوة له فإنه تنعدم فيه روح الإنسانية وقد لا يطعم أخاه الإنسان الجائع. وهذا الشاب الذي يبدو أنه شحذ حججه وهيأها، اتضح أنه يملك محلا لبيع أطعمة الحيوانات. وهكذا المؤثرون يظهرون أن الحكومة قاسية، وأن كل من يشتكي من الحيوانات الضالة لا إحساس له.
فهل مشروع الحكومة حقا بهذه القساوة المزعومة؟ هذا ما يقوله القانون المزمع التصويت عليه في البرلمان: «يمنع إطعام الحيوانات الضالة في الشوارع أو الأماكن العامة، وذلك بهدف الحد من تجَمُّعِها وتقليل خطر نقل الأمراض المعدية. فهذه الحيوانات قد تكون ناقلة لداء الكلب وأمراض بكتيرية أخرى، وفضلاتها تلوث الشوارع. كما تشكل بعض الحيوانات الضالة خطراً مباشراً على حياة المواطنين، كما في حالات الهجمات على الأطفال والمارة. ولضمان احترام القانون، حددت السلطات غرامات مالية كبيرة، وقد تصل الأحكام الزجرية في بعض الحالات الخطرة إلى السجن.
ولا يقتصر القانون على منع إطعام الحيوانات الضالة فقط، بل يشمل أيضاً تخصيص أماكن مهيأة لتجميع هذه الحيوانات الهدف منه توفير بيئة منظمة للحيوانات بعيداً عن الشوارع والأحياء السكنية، مع إمكانية رعايتها وتقديم الغذاء لها بطريقة صحية وآمنة، بما يقلل من المخاطر على المواطنين ويحد من انتشار الأمراض». هذا ما في الأمر؛ فمن من السياسيين يختبئ وراء الحيوانات الأليفة والدراجات النارية؟
موليم العروسي
مستشار علمي بهيئة التحرير










































