في لحظةٍ خطابيةٍ بدت للوهلة الأولى عابرة، لكنها تختزن دلالاتٍ أعمق مما يظهر، وقف أحد الوزراء، وهو عضوٌ مؤثر في الحزب (التجمع الوطني للأحرار) الذي يقود الحكومة في المغرب، ليتحدث في تجمع خُصِّص لما سُمّي الكتاب الأبيض للحزب .كان المشهد مألوفًا: منصة، وجمهور، ولغة سياسية مشبعة بوعود الإنجاز. غير أن ما شدّ الانتباه لم يكن مضمون الخطاب بقدر ما كان في طريقته .بين الحنحنة والتلعثم، جلس الرجل في كرسيه كمن يبحث عن توازنٍ لغويٍّ يوازي توازنه الجسدي، ثم رفع نظره إلى الحضور محاولًا إيهامهم بعمق التأمل قبل أن ينطق بعبارة قصيرة: «هذه المنجزات… كان من المفروض أن ننتج الأفكار».
هذه الجملة، على بساطتها الظاهرية، تفتح سؤالًا مركزيًا في العلاقة بين السياسة والفكر. فهل وظيفة الفاعل السياسي أن يُنجز فقط؟ أم أن عليه، قبل ذلك أو معه، أن يُنتج رؤيةً فكرية تُؤطِّر الفعل وتمنحه معنى؟ هنا يتبدّى التوتر القديم بين البراغماتية والتأمل، بين التدبير اليومي وصناعة الأفق.
لقد عرفت التجربة السياسية الحديثة في المغرب، كما في بلدانٍ أخرى، صعود نموذج السياسي التكنوقراطي: رجل إدارةٍ أكثر منه رجل فكرة، خبير ملفاتٍ أكثر منه صاحب مشروعٍ فكري. هذا النموذج يجد مشروعيته في لغة النجاعة والفعالية والقدرة على التنفيذ، لكنه غالبًا ما يعاني فقرًا في مستوى التصوّر. وحين يغيب التصوّر، يتحول الإنجاز إلى مجرد تراكمٍ تقني بلا روحٍ جامعة، وتصبح السياسة إدارةً للحاضر بدل أن تكون بناءً للمستقبل.
الفكر السياسي ليس ترفًا نظريًا يُضاف إلى الخطاب للزينة البلاغية، بل هو الإطار الذي يحدد معنى الإنجاز نفسه: لأي مجتمع نُنجز؟ وبأي قيم؟ ولأي إنسان؟ من دون هذه الأسئلة، تتحول المنجزات إلى أرقامٍ في تقارير، لا إلى تحولاتٍ في التاريخ. ولذلك، فإن الجملة التي نطق بها الوزير تكاد تعترف ضمنيًا بهذا النقص: الاعتراف بأن إنتاج الأفكار كان غائبًا أو مؤجَّلًا أو مُستبدَلًا بلغة الإنجاز التقني.
غير أن المفارقة تكمن في أن السياسي التكنوقراطي يُطالَب اليوم بما لم يُبنَ تكوينه عليه. فإنتاج الفكر يحتاج زمنًا مختلفًا، ومسارًا ثقافيًا ومعرفيًا طويلًا، واحتكاكًا بالفلسفة والعلوم الإنسانية والتجارب التاريخية .أما التكنوقراطي فينشأ داخل منطق التدبير: حلّ المشكلات، وتسريع الإجراءات، وتحسين المؤشرات .إنه ابن اللحظة العملية لا ابن المدى الفكري .لذلك، يبدو السؤال مشروعًا: كيف يمكن لسياسي من هذا النوع أن ينتج فكرًا؟
لكن الإجابة لا ينبغي أن تكون حاسمة بالنفي. فالتاريخ يُظهر أن بعض رجال الدولة استطاعوا التحول من مجرد مدبّرين إلى أصحاب رؤى، حين أدركوا أن التقنية وحدها لا تكفي. الفكرة لا تولد فقط في الكتب، بل قد تنبثق أيضًا من الاحتكاك العميق بالواقع، شرط أن يُصاحبه وعيٌ نقدي وقدرة على التأمل .المشكلة ليست في التكنوقراطية بوصفها خبرةً ضرورية، بل في تحوّلها إلى أفقٍ وحيد يُقصي التفكير بدل أن يتكامل معه.
في السياق المغربي، تبدو الحاجة إلى هذا التكامل أكثر إلحاحًا. فالمجتمع يعيش تحولاتٍ اجتماعية وثقافية واقتصادية متسارعة، تتطلب أكثر من تدبير إداري .إنها تحتاج سرديةً جامعة تفسّر الاتجاه وتمنح المواطنين شعورًا بالمشاركة في مشروعٍ يتجاوز اليومي .وحين تغيب السردية، يتسع الفراغ بين الدولة والمجتمع، وتصبح السياسة مجرد تقنية حكم لا مجالًا لإنتاج المعنى.
إن العلاقة بين السياسة والفكر ليست علاقة ترفٍ ثقافي، بل علاقة شرطٍ تاريخي. كل تجربةٍ سياسية كبرى ارتبطت برؤيةٍ فكرية: من أفكار الإصلاح في القرن التاسع عشر، إلى مشاريع التحرر الوطني، وصولًا إلى نقاشات الديمقراطية والتنمية اليوم. وعندما تضعف الرؤية، تضعف القدرة على الإقناع، حتى لو استمرت القدرة على الإنجاز.
ربما كان أهم ما كشفه ذلك المشهد الخطابي القصير هو هذا القلق الصامت داخل السياسة المعاصرة بالمغرب: قلق فقدان المعنى .الحنحنة لم تكن مجرد حركة صوتية، بل علامة ترددٍ بين لغتين: لغة الأرقام ولغة الأفكار .والتلعثم لم يكن عيبًا فرديًا، بقدر ما كان تعبيرًا عن صعوبة الانتقال من التدبير إلى التفكير.
لا يمكن للسياسة أن تستغني عن الفكر، كما لا يمكن للفكر أن يبقى حيًا خارج السياسة. الأول يمنح الثاني القدرة على التأثير، والثاني يمنح الأول القدرة على الاستمرار، وبينهما يتحدد مستقبل المجتمعات .أما السؤال المفتوح الذي يظل معلقًا بعد انطفاء الميكروفون فهو: هل نكتفي بالمنجزات، أم نجرؤ على إنتاج الأفكار التي تعطي للمنجزات معنى؟
موليم العروسي
مستشار علمي بهيئة التحرير












































