في زمن الثورة الرقمية، تحوّل العالم إلى فضاء مفتوح للمعلومات والتعبير، حيث يمكن لأي صوت أن يصبح مصدرًا وأي رأي أن يُقدّم على أنه تحليل بمجرد انتشاره عبر منصات التواصل الاجتماعي. لكن هذا الكم المتزايد للمعلومة لم يترجَم بالضرورة إلى تعميم نوعي للوعي أو زيادة حقيقية في الفهم، بل خلق ضبابًا رمزيًا يهدد التمييز بين الحقيقة والوهم، بحيث صارت القدرة على فرز المعلومات وتحليلها هي النقص الحقيقي، وليس ندرتها. ومع تضاعف قنوات المعرفة، يزداد خطر تحوّل الفكر إلى ردود أفعال متسرعة، تتغذى على الانطباعات السريعة أكثر من التأمل العميق.
في هذا السياق، تتجلى مأساة المثقف، خاصة في بعض البلدان منها المغرب، حيث يظل دوره الاجتماعي والثقافي رهينًا بتصورات الرأي العام وميكانيزمات السلطة المجتمعية. المثقف المغربي لا يلفت الانتباه إلا حين تضيق الآفاق، أو حين يوشك المجتمع على الانغلاق الفكري، لكنه حين يحاول الحديث، سواء لتحذير الناس من مخاطر الجمود أو لتوسيع مساحة النقاش، يُوَاجَهُ عادة باللامبالاة أولًا، ثم الانتقاد أحيانًا، وفي أسوأ الحالات الشتم .إن الرأي العام، الذي قد يبدو في أحيان كثيرة متعطشًا للحوار، غالبًا ما يرفض الاستماع إلى التحذيرات التي تتحدى القناعات الراسخة أو المصلحة المباشرة، ما يجعل المثقف في المغرب يعيش حالة تناقض دائم: هو مرغوب فيه في لحظات الأزمة، ومرفوض حين يسعى لإشراك المجتمع في وعي نقدي مستمر.
المشكلة لا تقتصر على الجمهور العادي، بل تشمل النخبة نفسها، حيث ينخرط جزء من النخبة المثقفة في تداول المعلومات بسرعة، بدل الالتزام بالمساءلة الفكرية العميقة. كثير من المثقفين يكررون اللغة السائدة بدل تفكيكها، ويعزُفون عن المجازفة بإطلاق نقد حقيقي للأنظمة الفكرية أو السياسية، معتبرين أن الانسجام مع القطيع أو مع السلطة يمثل حماية، بينما تتحول الوفرة المعلوماتية إلى ضباب يحجب الفهم بدل أن يَصْقُلَهُ. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: المثقف الذي يُفْتَرَضُ فيه أن يحوّل المعرفة إلى فعل عام يواجه عائقين متزامنين، الأول داخلي يتعلق بمحدودية بنية النقد في الفضاء الثقافي، والثاني خارجي يرتبط بالاستجابة المجتمعية أو رفضها.
المثقف، بحسب هذا المفهوم، ليس مجرد ناقل للمعلومات أو كاتب للآراء، بل هو من يحوّل الفكر إلى فعل عام، حاملاً معرفته إلى الفضاء المشترك، وجاعلاً منها مسؤوليةً لا زينةً. إن المثقف هو الذي يصوغ وعياً نقديًا يسائل المسلّمات، ويكشف عمّا وراء الظواهر، ساعيًا لفهم العالم لا لترديد شعاراته، ومتحملًا مسؤولية الخطاب حين تقتضي الحقيقة والعدالة ذلك، ولو تعارض مع مصلحته الطبقية أو المهنية. وفي المغرب، كما في غيره من السياقات، تتحول كلمته إلى التزام يشرك كيانه كله في مخاطرة محسوبة، حيث يلتقي التأمل بالفعل، ويقف على مسافة واحدة من السلطة والقطيع معًا، محافظًا على حكمه المستقل ومنصتًا للاختلاف دون ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة. لكن هناك إشكالية أخرى، ربما أعمق، تواجه المثقف في المغرب وتكمن في طبيعة الرأي العام، الذي يميل إلى التركيز على المظاهر المباشرة للقضايا، متجاهلًا أبعادها العميقة والمعقدة. فالمجتمع المغربي، في كثير من الأحيان، كالعديد من المجتمعات، يبحث عن حلول سريعة أو شعارات مريحة بدل مواجهة التحديات الفكرية والاجتماعية المعقدة. لذلك، يَنظُر إلى المثقف أحيانًا على أنه شخص غريب عن الواقع اليومي، أو معارض بدون سبب مقنع، ممّا يولّد لديه شعورًا بالانعزال يضعه في مواجهة شبه دائمة مع المجتمع الذي يسعى لخدمته بفكره.
يعيش المثقف المغربي تقاطعًا بين جزئية الخبرة والكليّة الطموحة للفعل الاجتماعي. بين الاستقلالية الفكرية والالتزام الأخلاقي. فهو وسيطٌ بين المعرفة والمجتمع، بين الحاضر والمستقبل، بين الفرد والجماعة. دوره ليس ترفًا، ولا مجرد زينة ثقافية، بل ضرورة لإبقاء الفضاء العام حيًا، حيًا بالتساؤل والشك والقدرة على إعادة صياغة التفكير، حتى لما يكون عرضة للنقد والازدراء. إن دوره يكمن في تحريك المجتمع الفكري، وتوسيع أفقه، وتحفيز وعيه بمخاطر الجمود والانغلاق، حتى لو كانت الرسائل التي يوجّهها لا تلقى الترحيب في البداية.
هنا يمكن القول إن ما يسمى أفول المثقف المغربي لا يعكس ضعف قدراته أو نقصًا في المعرفة، بل يعكس هشاشة العلاقة بين المثقف والمجتمع، بين الفعل العام والقبول الشعبي، وبين مسؤولية القول والقدرة على الاستماع. لقد منحتنا الثورة الرقمية كميات هائلة من المعلومات، لكنها لم تمنحنا حتمًا القدرة على التفكير النقدي أو التمييز بين الصوت المسموع والفعلي. وهنا يكمن التحدي الأكبر: كيف يمكن للمثقف، في المغرب كما في العالم، أن يحافظ على دوره في خلق وعي عام حقيقي، يواجه الضباب المعلوماتي، ويحوّل الكلام إلى فعل ذي أثر دائم؟
موليم العروسي
مستشار علمي بهيئة التحرير












































