لما خرج الناس في العشرين من فبراير 2011 بشوارع المدن المغربية للاحتجاج، كانت الصحافة قد سبقتهم وسمت انتفاضتهم بحركة الشباب .تلقف الإعلام الكلمة، وصنع منها ظاهرة، وأعطى حججا لذلك. أكد الإعلام هذا الرأي الذي شاع، وكاد يصبح حقيقة، أن الشباب هم وحدهم القادرون على التعامل مع هذه الوسائط الجديدة .صحيح أن عمر “فيسبوك“ آنذاك بالمغرب كان لا يتجاوز الثلاث سنوات. لكن بعد انطلاق الحراك، هكذا سمته الصحافة المغربية تشبها بالصحافة الخليجية، ظهر فيه أشخاص من أعمار مختلفة، قرروا هم أيضا أنهم شباب، وأن من حقهم أن ينسبوا لأنفسهم المشاركة في ذلك الحراك. كانت تلك الحشود المتنوعة، من مهن واهتمامات وأيديولوجيات وأعمار مختلفة، قد قررت أن تُسمّى نفسها شباب وكأنها أصدرت مرسوماً يمنع الكهول من التورط في هذه القضية. لم يُصوّت على إقصاء العجائز المزعومين في جمعية عامة، ولم يُدرج في أي وثيقة رسمية، لأن الحركة لم تكن تملك بنية تنظيمية، لكن الفكرة انتشرت من فم إلى فم، ومن خلال وسائل الإعلام، حتى صارت قانوناً غير مكتوب.
وخلال رفع الشعارات في أول يوم للاحتجاج بمدينة الدار البيضاء، شاهدت بأم عيني وسمعت بأذني كَهْلاً، أعرفه جد المعرفة، يكاد يكون طاعنا في السن، يتقدم نحو شاب كان يظهر أنه يتحكم في الشعارات ووبخه أيَّما توبيخ لأن الجمع كان قد رفع شعارا غير متفق عليه .امتثل الشاب واختفى الكهل وراء الجموع. يبدو أن الكهل إياه كان شابا وأنا لا أعرف.
نحن نعرف أن مفهوم الشباب ورقة تستعمل كثيرا في السياسة وخصوصا من طرف الشعبويين. كما عرفنا أن الدولة المغربية، وخصوصا في بداية حكم الملك محمد السادس، قد استعملت جيدا هذا المفهوم. وسوف تستعمله إن اقتضى الحال في مناسبات أخرى، كما يبدو أنها استعملته في بداية حكم الحسن الثاني. وفي المغرب، كما في العالم، يُلوَّح بمفهوم الشباب كلما أُريد إعطاء الانطباع بأن البلد يعيش تحوّلا. هذا الخطاب، الذي يغلب عليه الطابع الشعبوي، يسعى إلى إظهار أصحابه كأنهم في صفّ التقدّم. فمنذ عصر النهضة وظهور مفهوم التقدّم، أولت أوروبا، خصوصاً، أهمية كبرى للطفولة، إذ رأت فيها ضمان المستقبل، واعتبرتها رمزَ الإنسانية القادمة، في مقابل الشيخوخة التي جرى ربطها بالماضي، وبذلك حُكم عليها، في هذه الفلسفة ذاتها، بالفناء وفق قوانين البيولوجيا. لكن أين يبدأ الشباب وأين ينتهي؟ لا يوجد أيّ علمٍ اهتمّ بتحديد هذه اللحظات العمرية .غير أن السياسة والتجارة وعالم الاستهلاك قد استعملتها على نطاق واسع .وهكذا تُعرّف التجارة الشباب على أنه فئة من المستهلكين، تبدأ منذ اللحظة الأولى لظهور الرغبة في الإحساس بالذات، والرغبة في فرض النفس داخل المجتمع، أي منذ بداية البحث عن قدر من الحرية.
ومن خلال تسويق فكرة الحرية، يُدخِل التسويق التجاري الأفراد المسمون أطفالا وشبانا في تصنيف اجتماعي: طفولة، مراهقة، شباب، كهولة، ويُنتج لكل فئة سلعاً خاصة من اللغة المستعملة، والموسيقى، والأدب الحديث، والطعام، والأدوات (الإلكترونيات، المركبات)…، والأهم من ذلك المظهر الخارجي، تسريحة الشعر واللباس، ليصنع إحساساً بأنّ الشاب يختلف جذرياً عن الكهل. ويبدو لي أن التصنيف التجاري هو أكثر مجالٍ يتموضع فيه الشباب فعلاً، إذ إن من يتبنّى هذه الأدوات ويملكها يمكنه أن يظلّ شاباً بغضّ النظر عن عمره البيولوجي. ويرتبط ظهور جيل (Z) أيما ارتباط بهذه الظاهرة .ولعل المجلة الأمريكية (Advertising Age) كانت أول من استخدم تعبير (Génération Z) سنة 1994 للإشارة إلى الشباب المولودين بعد سنة 1995. لقد استعارتها من بعض الكتاب والمعلقين. وتُعد Advertising Age ، المعروفة اليوم باسم Ad Age فقط، مجلة متخصصة في مجالات الإشهار، والتسويق، والإعلام، والاتصال .تأسست سنة 1930 في “Chicago” على يد “B. R. McCormick” وH. K. Straus”، وهي في الأصل مجلة مهنية موجّهة لوكالات الإشهار.
استخدمت مجلة Advertising Age مصطلح (génération Z) لأول مرة سنة 1994، في مقال حول التنبؤات التسويقية المستقبلية. وكان الهدف من هذا المقال، هو إيجاد تسمية للفئة من الأطفال والمراهقين الصغار الذين سيخلفون (Génération Y) أي الشباب المولودين في الثمانينات والتسعينات. في ذلك الوقت، بدأت الشركات الأمريكية الكبرى مثل (Procter & Gamble, Coca Cola, Nike, MTV) وغيرها، تُبدي اهتماماً بجيل جديد وُلد مع ألعاب الفيديو، وأجهزة الحاسوب، وبدايات شبكة الإنترنت. من نقل هذا التعريف من التجارة إلى علم الاجتماع التجاري ومن ثمة إلى الماركوتينغ السياسي؟ لا ندري. كل ما نعرف أنه ظهر أولا في انتفاضات عدد من الشبان في النيبال مثلا ومن ثمة إلى مدغشقر فالمغرب والبيرو وغيرهم. ويبدو أنه آخذ في الانتشار كفكرة في الولايات المتحدة الأمريكية.كما يبدو أن فكرة التفرد والتمرد على من سبقوه ونعتهم بالشيوخ، انتقلت هي الأخرى من الموضة إلى السياسة .إلا أن هناك خطر تطبيقها في الميدان السياسي؛ فالدلائل تشير إلى أن الحركات التي لا تحمل منظورا سياسيا واضحا تتحول بسرعة إلى أيدي قوات أخرى أكثر تنظيما وتكون في الغالب فاشيستية .حدث هذا في النيبال ثم في مدغشقر وقبل ذلك في تونس والدور على البيرو وآخرين. الخروج إلى الشارع بدون مشروع يحمل في طياته خطر الديكتاتورية.
موليم العروسي
مستشار علمي بهيئة التحرير









































