هناك دول جزيرة، أو مكونة من جزر، صاغت طبيعتُها الجغرافية هويتَها وثقافتها السياسية، كما اليابان أو إنجلترا، أو ذات طابع شبه جزيرة كما فنلندا لها هوية طافحة، وهناك دول ليست جزيرة من حيث جغرافيتها، ولكن سياقات تاريخية، صاغت منها تجربة منسلخة عن محيطها، كما إسبانيا، التي ولو هي جزء من أوروبا، من حيث الجغرافية، إلا أنها كانت خارج السردية الأوروبية إلى غاية 1978 من القرن الماضي، أو تشيلي التي تظل حالة خاصة في كل أمريكا اللاتينية، والتي استطاعت أن تجعل من طبيعتها الجغرافية رافعة اقتصادية فريدة، وتصبح قصة نجاح مشهود لها، بجوار الأرجنتين التي تربو عليها في كل شيء، ولم تستطع أن تتفوق عليها في شيء.
طبعا ليس المغرب جزيرة جغرافيا، وله امتدادات ثقافية وبشرية مع محيطه في الشرق والجنوب، ولكن تجربته التاريخية أو السياسية، جعلت الأوروبيين، والفرنسيين منهم خاصة، حين نزلوا بالجزائر، سنة 1830، ينظرون إلى المغرب بصفته جزيرة، كما قال بذلك المؤرخ الفرنسي شارل أندري جوليان في كتابه “تاريخ شمال إفريقيا“، وما قال به المؤرخ المغربي عبد لله العروي. هل المغرب جزيرة؟ أو أصبح جزيرة؟ لا يهم في نهاية المطاف، مادام يعيش وضعا أشبه ما يكون بجزيرة… والسؤال ليس حذلقة كلامية، لأن القول بأن المغرب جزيرة يترتب عنه تبعات جيو–سياسية وثقافية.. وهنا مربط الفرس.
لا يختار الإنسان في حياته مساره، إذ تفرض عليه الظروف مسارات لم يكن ليتوقعها، والشيء نفسه بالنسبة للأمم، تفرض سياقاتٌ معينة خياراتٍ وتوجهات، والحكمة هي في معانقتها، وليس التعنت في رفضها.
نعم، نحن مغاربيون في وجداننا، وفي مرجعياتنا التاريخية والدستورية، ونحن مغرب مصغر، كما يقول المؤرخ دانييل ريفي، ولكن الوحدة المغاربية التي كنا نؤمن بها، وناضل من أجلها جيل الاستقلال لم تعد قائمة، ولا يمكن أن تقوم، لأن دولة ما، وهي الجزائر، كي نسمي الأمور بمسمياتها، ترعى اتجاها انفصاليا، إذ ذلك هو الظاهر، أما الحقيقة، مما لم يعد يُتستر عنه، هو تقويض المغرب وتمزيقه، من خلال سردية تغزو وسائل “التواصل“ الاجتماعي، والدعاية الإعلامية، وقراءة موجهة للتاريخ، ناهيك عن التحرشات على الحدود، كما وقع قبل أربع أو خمس سنوات على مستوى العرجة قرب واحة فكيك، أو ما وقع مؤخرا على مستوى واحة إيش، من خلال اقتحام التراب المغربي، من طرف عناصر من الجيش الجزائري، وحرق بساتين مزارعين مغاربة، مما ينسف أي زعم في “مغرب الشعوب“، ولذلك فإن الكفاح من أجل مغربية الصحراء، هو كفاح من أجل مغربية المغرب، ليبقى متصالحا مع تاريخه، ومن دون ركيزة التاريخ لن يكون له مستقبل.
ليس فيما تقدم جديد، لأن المغاربة مجمعون عليه، ولكن ما ليسوا مجمعين عليه، هو الخيارات الجيو–سياسية والثقافية المترتبة عن هذا الوضع الجزيري، في توجهاتنا الدبلوماسية، وفي سياستنا الثقافية، وتوجهنا الحضاري، وطبعا الدفاع عن بلدنا، واسترخاص كل شيء من أجله حين يتعرض للتهديد أو الخطر.
ندرك أن العالم يمر بفترة تحولات كبرى، وأننا نودّع نظاما، بفاعليه وقواعده، وننفتح على نظام لم يستقر بعد، وينبغي أن نتهيأ له، وننغمر فيه بذكاء، مما يخدم مصالحنا الاستراتيجية، ليس على مستوى أصحاب القرار فحسب، بل على مستوى القوى الحية، وأصحاب النظر، والمجتمع المدني، ليس عن ترديد ببغائي لما ترسمه أو تمليه مراكز القرار، بل عن وعي وتبصر، في مواجهة الديماغوجية التي لا تخدم المصالح الاستراتيجية لبلدنا.
الفترات الانتقالية ليست بردا وسلاما، ومن المحتمل أن يمر بلدنا بظروف عصيبة في ظل التحولات الاستراتيجية الكبرى. فحتى المنطقة العربية التي كانت معالمها واضحة نسبيا، مرشحة لتغييرات جوهرية، مع انحسار تأثير إيران، وقيام محاور كما بين مصر وتركيا والسعودية، أو التصدع الذي تعرفه العلاقات السعودية–الإماراتية، ومثله التصريح الخطير الذي أدلى به السفير الأمريكي بإسرائيل مايك هاكابي، عن الحدود التوراتية لدول إسرائيل، وكلها تحولات من شأنها أن تنعكس علينا، وينبغي أن يكون لنا تصور استراتيجي حولها. الوضع الجزيري يتيح نوعا من التنائي، ورسم مسافة من الظواهر، ولا يفرض الاصطفاف في خندق ضد آخر، لكن لا يعفي من التفكير المتأني.
نحتاج في الظرفية التي يمر فيها العالم إلى حوار، على مستوى مؤسسي، وبداخل القوى الحية، وفعاليات المجتمع المدني، ومراكز البحث، وأصحاب النظر، وهو ما يغيب على الساحة، عدا الفرقعات الإعلامية، أو التعبيرات الشعبوية، والمزايدات الكلامية، في ظرفية عصيبة ودقيقة، تحسبا لكل شيء، بما فيها الأسوأ.
حسن أوريد
مستشار علمي بهيئة التحرير












































