هل هي نهاية نزاع مفتعل عطّل منطقة واعدة، بعد التطور الذي عرفه ملف الصحراء المغربية، من خلال اعتراف قِوى عدة وازنة، بالحكم الذاتي إطارا للحل، وعزم الولايات المتحدة على إجراء مساعٍ حميدة ما بين الجزائر والرباط؟ لقد كان للصحراء أن تكون بؤرة اقتصادية وتجارية، تلتقي فيها كل من مصالح المغرب وموريتانيا والجزائر. كانت تلك رؤية المغرب التي عبر عنها الملك الراحل الحسن الثاني، لكل من الرئيس الموريتاني ولد داداه والرئيس الجزائري هواري بومدين، تغمدهم لله جميعا برحمته، في قمة نواذيبو، سنة ..1970 ولكن الرياح سارت بما لم تشته السفن، وتبنت الجزائر مخططا انفصاليا عطّل المنطقة، ولم تكن الجزائر في منأى من التداعيات السلبية عليها، ليس فقط فيما يخص صورتها، بل تهلهل بناؤها، غير ما مرة، ودخلت مرحلة اهتزازات خطيرة ….بمنطق الربح والخسارة، لم تربح الجزائر من نزاع الصحراء، ومنطق الأشياء هو المراجعة في مسار لا يفضي لشيء، وقد ينعكس وبالا عليها. تحل الذكرى الخمسون للمسيرة الخضراء، وتقترن بمخطط أمريكي لإنهاء النزاع، ورعاية المصالحة المغربية الجزائرية، لأن المشكل في جوهره هو ما بين الجزائر والمغرب، وهو الأمر الذي لا يغيب عن كل القوى العظمى المتابعة للملف… عودة المياه إلى مجاريها ما بين الرباط والجزائر، لا يمكن إلا أن يكون في صالح البلدين، ينهي بؤرة التوتر، ويخرج الجزائر من الشرنقة التي وضعت فيها نفسها، ويعطي دفعة لهذه الأرضية الاقتصادية الواعدة، بصفتها جسرا بين إفريقيا وأوربا، بل أكثر من ذلك، يتيح للجزائر أن تتصالح مع ذاتها، لأن استعداء المغرب غير طبيعي، بالنظر للوشائج العميقة، بين الشعبين، كمن يستعدي ذاته، والخروج من التفاهات والصبيانيات عما يسميه الإعلام الرسمي الجزائري بـ«جار السوء». الإطار الوحيد للحل، هو الحكم الذاتي. لا مساومة على السيادة المغربية، ولا على الحقوق التاريخية، أو مثلما كان الملك الراحل الحسن الثاني يردد: «دعوا لي الطابع البريدي، والعَلَم، وكل شيء قابل للتفاوض»، وهو الأمر الذي كان عبر عليه كذلك بمناسبة انعقاد الدورة البرلمانية الربيعية سنة ،1986 «خيرات الصحراء تبقى في الصحراء…» ، للدلالة على أن الحكم الذاتي ليس صناعة فرنسية، كما يحلو لبعض الأوساط في الجزائر أن تردد… وضع المغرب، الآن، ليس هو ما كانه قبل خمسين سنة .لقد راهنت الجزائر إثرها على انهياره، والذي حدث هو العكس تماما، لسبب بسيط، هو أن قضية الصحراء قضية شعب بأكمله، وهو سر صمود المغرب سابقا، ولاحقا، إن لم يعرف الملف انفراجا… لئن عبّرت الولايات المتحدة الأمريكية عن الانخراط في مساعٍ حميدة لحل مشكل النزاع حول الصحراء، فلأنها تدرك خطورته على أمن حوض البحر الأبيض المتوسط واستقراره، وبالساحل، وبؤرة توزع العالم العربي، وهو أحوج ما يكون كي يغدو قوة حضارية مؤثرة، لها حضور وكلمة مسموعة. ينبغي التذكير ببعض الأمور التي يعرفها المغاربة، وقد يجهلها غيرهم، وهي أن مفهوم “الشعب الصحراوي” مجروح، وينبغي إن كان الأمر كذلك، أن يشمل كافة ساكنة الصحراء، من البحر الأحمر إلى المحيط الأطلسي. هناك بكل تأكيد حركة، ظهرت في سياق معين، ذات مرجعية عروبية. لا يمكنها الزعم الحديث باسم كافة ساكنة الصحراء، بعد كل التغييرات التي عرفها العالم… ولئن اكتست الحركة حضورا، فبفضل الدعم الجزائري الدبلوماسي واللوجيستيكي .والمغالطة الثانية، وهي اعتبار ملف الصحراء ملف تصفية استعمار. المغرب ليس قوة استعمارية، والمشكل ليس قانونيا، بل سياسي، وهو مثلما يعرف الذين يلمون بملابساته بين الرباط والجزائر. و الحوار الممكن والمقبول، هو بين الرباط والجزائر، والحوار الممكن لـ“البوليساريو“، هو مع فعاليات من أبناء المنطقة، أو القوى الحية في المغرب… المنطقة بين مفترق الطرق، ولئن أبدى سلاح «حق الشعوب في تقرير مصيرها»، بناء على معطى واهٍ، في بناء الوهم، فإنه سيكون أكثر نجاعة إن انبني على معطيات موضوعية لجماعات لها هوية خاصة، وذاكرة تاريخية، وتشكل بحق شعبا. البراغماتية والواقعية تدفع إلى عدم ركوب هذا المركب، شريطة أن تكون البرغماتية والواقعية أمرا مشتركا بين الجزائر والرباط.
حسن أوريد
مستشار علمي بهيئة التحرير










































