في تصريح أثار كثيرًا من الجدل، اختار وزير التعليم في الحكومة المغربية أن يخاطب ساكنة الدواوير بنبرة بدت، للوهلة الأولى، نابعة من تجربة شخصية صادقة. قال الوزير: «إذا كنتم حقًا تريدون لأبنائكم أن يتلقوا تعليمًا جيدًا، فكروا في الأمر بجدية بعيدًا عن الحلول السهلة والمباشرة. التعليم ليس مجرد مكان قريب من البيت أو حافلة مدرسية توفر النقل؛ إنه رحلة تحتاج إلى رؤية صائبة ومتابعة دقيقة». ثم أضاف، مستشهدًا بمساره الخاص: «أنا والدي، لكي أدرس جيدًا، أرسلني لبلاد بعيدة».
من خلال هذا الكلام، يبدو الوزير مقتنعًا بأن جودة التعليم لا تقاس بالقرب الجغرافي ولا بالراحة المادية، بل بالمستوى التعليمي الذي تقدمه المؤسسة، حتى وإن كانت بعيدة عن مقر سكنى التلميذ. ويؤكد، عن حسن نية كما يقول، أن أفضل طريقة لتعليم الطفل ليست في جعل المدرسة أقرب إلى الدُوَّار، بل في إرساله إلى مدرسة توفر مستوى تعليميًا عاليًا، وأن تربية الأطفال يجب أن ترتكز على الجودة والمعرفة، تمامًا كما فعل والده الذي صنع من ابنه مهندسًا ثم وزيرًا، ولا ندري ماذا قد يُصْنَعُ منه المستقبل.
ويسترسل الوزير في منطقه، معتبرًا أن البحث عن الجودة يمر عبر البحث عن أساتذة مؤهلين وذوي خبرة. «لا يكفي وجود خمسة أو ستة معلمين في أي مدرسة، بل المهم أن يكون هؤلاء الأساتذة قادرين على تقديم تعليم حقيقي وفعال». كلام يبدو، في ظاهره، كلام مسؤول يدرك أن قطاع التعليم يعاني من تفاوت صارخ في الكفاءات، وأن فيه أساتذة دون المستوى وآخرين ذوي جودة عالية، وأن الاختيار، في النهاية، يُترك للآباء ليسجلوا أبناءهم حيث أرادوا ووفق المشروع الذي يتصورونه لهم، كما فعل والده هو. غير أن هذا الخطاب، رغم وجاهة بعض معطياته، يكشف عن تصور إشكالي لدور الدولة ولطبيعة التعليم العمومي. فحين يخاطب وزير التعليم ساكنة الدواوير، لا يمكنه أن يتحدث إليهم بالمنطق نفسه الذي يتحدث به مدير مقاولة إلى زبائن محتملين. الوزير هنا لا يقدم تحليلًا اجتماعيًا بقدر ما يعرض نموذجًا فرديًا ناجحًا، ويقيس عليه واقعًا جماعيًا معقدًا، متناسيًا أن تجربة إرساله للدراسة في بلاد بعيدة لم تكن ممكنة لولا شروط مادية واجتماعية محددة لا تتوفر لغالبية الأسر القروية.
الخلل الأساس في هذا الخطاب أنه ينقل عبء فشل السياسات التعليمية من الدولة إلى الأسر. بدل أن يكون السؤال: كيف نضمن مدرسة عمومية جيدة وقريبة من الطفل؟ يصبح السؤال: لماذا لا يضحي الآباء ويرسلون أبناءهم بعيدًا؟ هنا يتحول التعليم من حق دستوري إلى مشروع استثماري فردي، ومن مسؤولية عمومية إلى خيار شخصي محفوف بالمخاطر.
هذا المنطق يعكس بوضوح تكوين الوزير كشخصية تكنوقراطية أكثر منه شخصية سياسية. فهو يفكر في التعليم بمنطق المقاولة: الجودة، والمردودية، والمنافسة، وحرية الاختيار. وكما في السوق، يُترك الزبون ليختار بين منتوج جيد وآخر رديء، دون أن يُطرح السؤال الجوهري: لماذا يُسمح أصلًا بوجود منتوج رديء في خدمة عمومية أساسية؟
بمعنى من المعاني، يحاول الوزير أن يطبق على التعليم ما يطبقه في مقاولته أو مصنعه، وما يطبقه في تعامله مع السوق. لكنه يُغْفِلُ أن التعليم ليس سلعة، وأن المدرسة ليست شركة، وأن التلميذ ليس مشروعًا فرديًا معزولًا، بل هو مواطن في طور التكوين. السياسة التعليمية ليست مجالًا لتجريب منطق السوق، بل مجال لإنتاج العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص. وهنا بالضبط يتبدى الفارق بين التقنوقراطي الذي يُحسن تدبير الأرقام، والسياسي الذي يُفترض أن يُحسن تدبير المصير الجماعي.
وفي نبرة صريحة، قال الوزير بالحرف لمستمعيه والذين حولهم إلى زبناء: «لا تفكروا فقط في تقريب المدرسة من محل سكناكم وبكل قسم فيه خمسين أو أكثر من التلاميذ ومعهم خمسة أو ستة أساتذة رديئين ولجو لِلتَوِّ ميدان التعليم وليست لديهم تجربة». وحثهم على اختيار الأفضل والأنجح والأجود.
لم يستطع الوزير التخلص من قاموسه السوقي (من السوق) لأنه لا يعرف غيره. لا يعرف غيره لأنه ليس سياسيا ولا مناضلا، ولج الوزارة مباشرة لأن رئيس حكومته اعتبر بما أنه نجح في تسيير المقاولة، فإنه ولا بد أنه سينجح في تسيير قطاع التعليم.
عندما تحدثت عن مدارس الريادة أو الفاقة الفكرية في زاويتي (زمان 143/142) أشرت إلى الفاقة بشكل يكاد يكون مجردا، لكن خطر الفقر السياسي يكمن في تحويل وظيفة المدرسة.
خطرُ تحويل منطق التعليم إلى منطق المقاولة الربحية لا يكمن في السعي إلى النجاعة أو التحديث، بل في المسّ العميق بمعناه ووظيفته. فالمنطق المقاولاتي يجعل الربح غاية، بينما التعليم العمومي غايته تكوين الإنسان والمواطن. حين يسود منطق المردودية، يُختزل التعلم في أرقام ومؤشرات، وتُهمَّش القيم غير القابلة للقياس مثل التفكير النقدي والإبداع. كما يُضرَب مبدأ تكافؤ الفرص، وتُفرَغُ المدرسة من دورها الرمزي والسياسي. التعليم ليس خدمة سوقية، بل مؤسسة لبناء مواطن حرّ، لا مجرد يد عاملة.
موليم العروسي
مستشار علمي بهيئة التحرير









































