شكل الاكتشاف الأثري في جبل إيغود بنواحي إقليم اليوسفية، سنة ،2017 منعطفا تاريخيا في مسار ما نعرفه عن تاريخ البشرية. إذ أعلن المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالرباط عن اكتشاف بقايا بشرية تعود إلى حوالي 315 ألف سنة، وذلك بعد سنوات من البحث والتنقيب، مما جعل الموقع، إلى حدود كتابة هذه السطور، أقدم موقع لبزوغ الإنسان العاقل.
أشرف على هذا الاكتشاف كل من العالِمَين: عبد الواحد بن نصر مدير المعهد المغربي وقتئذٍ، وجاك إيبلان من فرنسا مدير المعهد الألماني. وبالإعلان عن هذا الإنجاز العلمي بالمغرب، تم تجاوز حفريات إثيوبيا التي كان يُعتقد أنها أقدم بقايا إنسان عاقل، حيث قُدر عمرها بحوالي 195 ألف سنة. ولم يقتصر تأثير هذا الاكتشاف على تعديل الخط الزمني فحسب، بل أسس لنموذج “التطور الإفريقي المتعدد الأقاليم” –حسب العالِمَين– منهيا بذلك الفرضية القديمة التي حصرت أصول البشرية في منطقة جغرافية واحدة بشرق إفريقيا.
وحول تفاصيل الموضوع، فإن الاكتشاف يتعلق ببقايا خمسة أفراد: ثلاثة بالغين، ويافع، وطفل، بالإضافة إلى أدوات حجرية متطورة مصنوعة بدقة تعود للحضارة الموستيرية من العصر الحجري القديم الأوسط، بالإضافة إلى عظام حيوانات (مثل الغزال والحمار الوحشي) عليها آثار حرق. مما يدل على أنهم كانوا صيادين يتحكمون في النار. وقد أظهرت النتائج أن عظام الوجه والفك والأسنان بدت دقيقة للغاية، وتتطابق تقريبا مع ملامح البشر المعاصرين؛ بل إن العلماء يقولون: «إنك إذا ألبست أحدهم قبعة ووضعته في الشارع اليوم، فلن تلحظ فرقا»، مع الإشارة إلى اختلاف في شكل الدماغ.
وبالرجوع إلى ستينيات القرن الماضي، وبسبب الطبيعة المستطيلة للجمجمة وارتباط الأدوات بالصناعات الشبيهة بالحضارة الموستيرية، اعتقد الباحثون الأوائل، مثل إميل إنوشي (Emile Ennouchi)، أن بقايا جبل إيغود تعود لإنسان النياندرتال. لكن التقدم التكنولوجي الحديث –حسب ما يقول بن نصر– دحض هذا التفسير بفضل تقنيات متطورة، مثل التأريخ بالتألق الحراري المطبق على قطع الصوان المحترقة التي رافقت العظام، وتقنية الرنين الإلكتروني المطبقة على مينا الأسنان. ولم تتوقف الأبحاث واستعمال التقنيات المتوفرة طوال العقود الماضية، إلى أن تم تأكيد عمر الحفريات بحوالي 315 ألف سنة.
وأظهرت الدراسات والتحليلات الرقمية لجمجمة إنسان جبل إيغود ظاهرة علمية تُعرف بالتطور الفسيفسائي. فقد تميز هذا الإنسان المبكر بامتلاكه وجها رشيقا ومختزلا وأسنانا ذات مظهر حديث تماما، إلى درجة تكاد لا تختلف عن ملامح البشر المعاصرين. وفي المقابل، احتفظ الجزء الذي يحيط بالدماغ
(Neurocrâne) بخصائص بدائية متمثلة في شكله المستطيل والممدد، بدلا من الشكل الكروي الذي يميز إنسان اليوم. هذا التباين التشريحي قاد العلماء إلى استنتاج مفاده أن التطور الوجهي للإنسان العاقل حدث في مرحلة مبكرة جدا من تاريخنا التطوري، في حين استمر شكل الدماغ وتنظيمه الداخلي في التطور والتحول نحو الشكل الكروي عبر آلاف السنين اللاحقة.
أما التغيرات المناخية بمنطقة اليوسفية قبل آلاف السنين، فقد قامت بدور جوهري في مسيرة التطور البشري، حيث تزامن عصر إنسان جبل إيغود مع حقبة “الصحراء الخضراء“. ففي تلك الفترة، لم تكن الصحراء الكبرى عائقا جغرافيا يفصل أجزاء القارة، بل كانت عبارة عن مراعٍ مفتوحة وبيئة شبه قاحلة غنية بالموارد، تعج بأنواع مختلفة من الحيوانات من ظباء وغزلان، شكلت مصدر الغذاء الأساسي لهذا الإنسان المبكر. هذه الظروف المناخية المواتية سهلت إزالة الحواجز الطبيعية، وخلقت فضاء مفتوحا ومترابطا سمح للإنسان العاقل بالانتقال والتواصل وتبادل الخبرات التقنية عبر مختلف أرجاء القارة الإفريقية، مما يدعم بقوة نظرية “الأصل المغربي لنشأة البشرية“. رافق هذا التطور البيولوجي ثورة تقنية وسلوكية لافتة في الموقع. فقد ارتبطت البقايا البشرية في جبل إيغود بمجموعات حجرية تنتمي إلى العصر الحجري القديم الأوسط، وتميزت باعتماد تقنية صقل الحجارة “ليفالوا” (Levallois) لصناعة الأدوات الحجرية المدببة. وأوضحت دراسات حديثة تعود لعام 2019، نُشرت بدورية المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، أن مغارة جبل إيغود لم تكن مجرد ورشة اعتيادية لإنتاج الأدوات، «بل كانت موقعا ذا مهام سلوكية محددة؛ حيث كان السكان يجلبون أدواتهم الصوانية الجاهزة من مسافات بعيدة لصيانتها واستخدامها». وعلاوة على ذلك، أثبتت الأبحاث الاستخدام المتكرر والمنتظم للنار، حيث وُجدت نسبة كبيرة من الأدوات الحجرية التي تعرضت للتسخين. إلى حدود اليوم، وعلى الرغم من الظروف الجيولوجية والميدانية بجبل إيغود، فلم تتوقف الأبحاث الأركيولوجية بالموقع؛ إذ يحرص معهد الآثار والتراث المغربي والباحثون المغاربة على مواصلة الأبحاث والتنقيبات التي من المنتظر أن يبوح الموقع ببعض أسراره المبهرة في قادم الأيام، وذلك بإشراف ودعم من وزارة الثقافة، بل إن الأخيرة تشرف كذلك على بناء مركز ثقافي محاذٍ للتعريف بالاكتشاف، سيكون قِبلة للزوار والمتطلعين للتعرف على أصولهم البشرية. z















































