قبل أن يتوجه المغرب للأمم المتحدة لوضع مقترح صيغة الحكم الذاتي الذي سوف يقترحه على السكان القابعين تحت الخيام لمدة خمسين سنة، بدأت المناوشات بين الأطراف التي ترى أن هذه الصيغة الجديدة لإدارة شؤون الصحراء ربما قد تقلص من نفوذها .وفي هذا الصدد، جاءت تصريحات أحد مسئولي جهة العيون الساقية الحمراء، لتشعل نقاشا ربما كان من الأحسن أن يبقى، على الأقل في الوقت الحالي، داخل أسوار الصالونات وتحت إدارة سياسيين وديبلوماسيين متمرسين حتى تتقدم جميع الأطراف بمقترحاتها كتابيا. وهكذا، قال المسؤول، في مقابلة صحفية، إن الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب ويعتمده مجلس الأمن يقتصر على الأقاليم الصحراوية السابقة تحت الاستعمار الإسباني، وأن جهة كلميم واد نون غير معنية به لأنها خارجة عن النطاق الجغرافي المقصود. هذه التصريحات أثارت ردود فعل متفاوتة بين نخب المنطقة، بين من اعتبرها دقيقة من الناحية القانونية، ومن رأى فيها محاولة لإقصاء الجهة من مشروع وطني هام. فهل يقتصر فعلا الحكم الذاتي، وفق المقترح المغربي المودع لدى الأمم المتحدة، على الأقاليم التي كانت تعرف بالصحراء الإسبانية؟ هذا الاعتقاد وهذا التعريف هو الذي اعتبره المتكلم رسميا ودعمه بالبيكار والمسطرة قائلا من النقطة كذا إلى النقطة كذا. طريقة التعبير هذه أثارت حفيظة من اعتبر أن التصريحات تحمل نبرة متعالية وتستبطن محاولة لتحديد من يُدْرَجُ داخل المشروع ومن يُسْتَبْعَدُ منه، كما أنها أثارت، وفق بعض التقارير، استياء سكان جهة كلميم واد نون الذين يعتبرون أنفسهم جزءاً أصيلاً من النسيج التاريخي والاجتماعي للصحراء. هناك آخرون من نفس الجهة، المعنية بالإقصاء، الذين تحفظوا واعتبروا أن الأمر قد يتعلق فعلا ببعض الحيثيات القانونية التي ما زالت في طريق التدقيق من طرف أجهزة الدولة على المستوى المركزي. لكن الجزء الأكبر من مسؤولي وساكنة جهة كلميم واد نون اعتبر أن التصريح يحمل نزعة إقصائية ويخالف روح المشروع الوطني، مشيرين إلى أن الجهة لعبت دوراً محورياً في تحرير الصحراء كما تحولت خلال فترة وقف إطلاق النار، إلى مركز رئيسي للقبائل الصحراوية المسجلة للاستفتاء، بعد أن شرعت السلطات في تسعينيات القرن الماضي في نقل آلاف الأسر من كلميم وواد نون إلى العيون والداخلة وبوجدور وسمارة، ضمن خطة لإعادة توزيع السكان من قبائل المنطقة نفسها. وقد استقر جزء كبير من هذه الأسر في مخيمات الوحدة“، لتصبح لاحقاً عنصراً مؤثراً في النسيج الاجتماعي والسياسي للأقاليم المتنازع عليها، وربما تمثل اليوم واحدة من أكبر التجمعات الديموغرافية فيها.. على الجانب الآخر، أشار مسؤولون آخرون إلى أن هذه الخلافات في التصريحات لا تعكس الموقف الرسمي للمؤسسات، وأن ملف الحكم الذاتي مشروع سيادي تديره الدولة برؤية ملكية واضحة، وأن القرارات النهائية في شأن إدراج الجهات ضمن المشروع هي من اختصاص المؤسسات الدستورية. كما تم التأكيد على ضرورة ضبط الخطاب السياسي، وعدم الانجرار وراء تصورات قد تُستغل خارج السياق الوطني والدبلوماسي، حفاظاً على وحدة الصف الوطني في فترة تشهد المملكة دينامية دبلوماسية حساسة. صحيح أن النقاش الحالي يبرز بعداً يتعلق بالعدالة المجالية والتوزيع المتوازن للامتيازات بين الجهات، والاعتراف بالمساهمات التاريخية والسياسية للجهات المختلفة في الصحراء. لكن يبدو من خلال هذا الجدل أن هناك نية مبيتة من طرف مسؤولي جهة العيون لإقصاء مكون تاريخي لعب دورا محوريا في تاريخ المغرب حتى قبل استقرار بعض القبائل التي تريد اليوم التحدث باسم الصحراء؛ هذا المكون هو تكنة (تكنة هي فيدرالية قبلية مكونة من قبائل صنهاجية تفككت ثم أعادت تركيب نفسها من جديد بعد انهيار الدولة المرابطية). قبائل تكنة ليست وليدة القرن السادس عشر أو القرن السابع عشر؛ ومن يذكر المرابطين سوف يعرف جيدا نفوذ هذه القبائل الممتد عبر الزمن. لذا فإن الأمر لا يكمن في تقديم أدلة على مساهمة جهة واد نون في النضال أو في الوحدة (الدليل هو أن مظاهرة النواة الأولى التي سوف تُكَوِّنُ البوليساريو لاحقا كانت في الطنطان)، بل يتعلق الأمر في المقاربة القبلية لمشكل الصحراء وغياب المقاربة الثقافية والحضارية. الحديث عن الصحراء انطلاقا من تقسيم الأرض بالمسطرة والبيكار هو فعلا تصرف استعماري لا يعير أي اهتمام للامتداد الحضاري والإثني والثقافي. ونعرف جديا أن هذه كانت أحاييل الاستعمار قبل لزرع الفتنة الانسحاب كما حدث في الشرق العربي وإفريقيا وحتى في بلدان المغرب الكبير. قبائل تكنة موجودة في كل التراب الذ يمتد من جنوب أكادير إلى الحدود التي ربما قد تتجاوز نهر السنغال. هذا التداخل القبلي، الذي يجب تجاوزه، في المقاربة الديموقراطية، يجب أن ينظر إليه على أساس المواطنة وليس على أساس الانتماء العرقي؛ إذ لا انتماء إلا الانتماء للوطن، والأمر يتعلق هنا بالمغرب.
موليم العروسي
مستشار علمي بهيئة التحرير









































