لنفترض أننا أنهينا مشكلة الصحراء، وأن السكان الموجودين بتندوف قد عادوا بموجب اتفاق حول الحكم الذاتي، وأن الجهة – كما تسميها النسخة المقدمة سنة 2007 من طرف المغرب – سوف تباشر اختصاصاتها. يبقى السؤال الذي يطرحه المتتبعون حول حدود هذه الاختصاصات قائماً. يحدد مقترح الحكم الذاتي بعض الملامح في فقرته الخامسة، حيث يشير: “ومن هذا المنطلق سيتولى سكان الصحراء، بشكل ديمقراطي، تدبير شؤونهم بأنفسهم من خلال هيئات تشريعية وتنفيذية وقضائية تتمتع باختصاصات حصرية. كما ستوفر لهم الموارد المالية الضرورية لتنمية المنطقة في مختلف المجالات، والمساهمة الفعالة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمملكة.” أي أن الجهة ستتوفّر على حكومة جهوية تقوم بجميع مهامها تجاه المواطنين، باستثناء ما يتعلق باختصاصات السيادة ولا سيما الدفاع والعلاقات الخارجية والاختصاصات الدستورية والدينية لجلالة الملك أمير المؤمنين. ثم يوضح النص في الفقرة 13 الوسائل المادية اللازمة لتسيير الجهة المتمتعة بالحكم الذاتي: “تتوفر جهة الحكم الذاتي للصحراء على الموارد المالية الضرورية لتحقيق وتنمية مهامها في مختلف المجالات. وتكون هذه الموارد على الخصوص مما يلي:
· الضرائب والرسوم والمساهمات المحلية المقررة من لدن الهيئات المختصة للجهة؛
· العائدات المتأتية من استغلال الموارد الطبيعية المرصودة للجهة؛
· جزء من العائدات المحصَّلة من طرف الدولة والمتأتية من الموارد الطبيعية الموجودة داخل الجهة؛
· الموارد الضرورية المخصصة في إطار التضامن الوطني.”
يقترح المغرب إذن أن تكون لجهة الصحراء مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية، أي سلطة حكم ذاتي داخلي، وهو ما يجعلها أقرب إلى نموذج الحكم الذاتي الإقليمي الموسَّع (Autonomie régionale élargie) المعمول به في دول مثل إسبانيا (كاتالونيا والباسك) وإيطاليا (صقلية، سردينيا، ترينتينو-ألتو أديجي). لكن ليست هناك أي إشارة إلى نوعية التعليم، مثل محتويات المواد التي ستُدرّس كالتاريخ أو الجغرافيا، والتي يمكن أن تستند إلى سرديات بعيدة عن تاريخ المملكة المغربية وعلاقاتها التاريخية بعمقها الإفريقي أو بالدور الذي لعبته ساكنة الصحراء عبر التاريخ في ربط الجنوب بالشمال من عمق إفريقيا إلى أقاصي شبه الجزيرة الإيبيرية. هذه الأسئلة بقيت معلقة في نص المقترح، على الرغم من أنه يمكن اعتبارها تدخل في خانة الأمور السيادية.
ولا تتوقف أسئلة الناس عند هذا الحد، بل تتجاوزه إلى:
· كيف ستدار وتستغل الموارد الطبيعية، سواء كانت على سطح الأرض أم في عمقها؟
صحيح أن هناك إشارة إلى العائدات المتأتية من استغلال الموارد الطبيعية المرصودة للجهة، وجزء من العائدات المحصّلة من طرف الدولة والمتأتية من الموارد الطبيعية الموجودة داخل الجهة، لكن هل ستكون هذه الأمور بدورها موضوع تفاوض؟ ومع من؟
· من سيتحكم في المجال الجوي؟ تمت الإشارة بطبيعة الحال إلى السيادة المغربية العسكرية، لكن ماذا عن الطيران المدني؟ أقصد السيادة الكاملة على المجال الجوي، حيث يتم التحكم فيمن يُسمح له بالعبور وفق القواعد المنظمة لحركة الطيران والسلامة الجوية داخل الحدود. كما يتعلّق الأمر إضافة إلى ذلك بالسلطات الاقتصادية والقانونية، كفرض رسوم عبور ومنح حقوق النقل وتطبيق قوانين الجهة على كل طائرة تمر بأجوائها. لمن ستؤول هذه المهمة؟ والشيء نفسه ينطبق على البحر الذي يدخل، فيما يتعلق بالصحراء، ضمن خانة الموارد الاقتصادية، لكن هناك أمور أخرى ترتبط بالسيادة في هذا المجال. هذه فقط بعض القضايا التي يدور النقاش بشأنها، وعلى المجتمع المدني والفاعلين السياسيين الخروج لمناقشتها وتوضيحها. لكن هناك مشكلة أخرى، حاول وزير الخارجية خلال استضافته من طرف التلفزيون المغربي الوقوف عندها وشرحها، لكنها بقيت غامضة لدى الكثير من المهتمين، وزادها غموضاً تصريح مستشار ترامب السابق مسعد بولس لقناة فرانس 24. ويتعلق الأمر بهذا التداخل غير المبرر في نظر الكثيرين بين الحكم الذاتي وتقرير المصير. وأكثر من ذلك عبارة “شعب الصحراء الغربية” الواردة في نص القرار. وعند العودة للنسخة الإنجليزية، يبدو أن هذا الغموض مقصود. لأي هدف؟ لا أدري. لا تعني بالإنجليزية عبارة (the people of Western Sahara) ببساطة “سكان الصحراء الغربية”، بل تعني “شعب الصحراء الغربية”، أي كياناً جماعياً معترفاً به في القانون الدولي بوصفه صاحب الحق في تقرير المصير. لقد اختيرت كلمة (people) وليس (population) عن قصد من طرف محرري القرار، لأنها تنتمي إلى المصطلحات القانونية الخاصة بحق الشعوب في تقرير مصيرها. وهذا لا يعني الاعتراف بدولة أو حتى بجبهة البوليساريو، لكنه يؤكد من جديد المرجعية إلى حق الشعوب في تقرير مصيرها بوصفه الإطار الذي يقوم عليه المسار السياسي. فهل عدنا من جديد إلى لازمة تقرير المصير؟ وكيف يمكن تأويل النص بما يتلاءم مع المنظور المغربي؟
موليم العروسي









































