لا يمكن إلا أن نبتهج للقرار الذي اتخذه مجلس الأمن بتاريخ 31 أكتوبر حول الصحراء، ولكن في الوقت ذاته ينبغي أن نكون حذرين، لأن الصيغة النهائية، في شكلها الاشتراطي، جعلت القرار حمّال أوجه، يمكن تأويله في كل الاتجاهات وتحويله عن قصده. لا نجادل أن الحكم الذاتي هو الحل الأمثل، ولكن “الحل الأمثل“ ليس هو الذي يفرغ السيادة المغربية من مدلولها، في مناحي حساسة، في الاقتصاد والتعليم، وأخرى استراتيجية، من احتكار العنف المنظم، حسب تعبير ماكس فيبر، أي أن تقتصر القوة العمومية على الدولة، والسلطة المركزية منها. لا يمكن للسيادة أن تكون شكلية، ولا تكون السيادة شكلية أصلا، فهي إما أن تكون ولا تكون. لم تنتهِ المعركة حول الصحراء، ولأنها معركة وجودية بالنسبة للمغرب، فهي ليست شأن الرسميين وحدهم، مع ما قد يتحلون به من احترافية، ومعرفة بالأشخاص المؤثرين، والقضايا، والرهانات والضغوطات. نُكبر ذلك منهم، ولكن لا يمكن للرأي العام المغربي، أن يبقى غائبا عن قضية مصيرية، من خلال قواه الحية، وعناصره المؤثرة، في هذا التطور الذي تعرفه قضية الصحراء، مع مكتسبات لا ننكرها، وتحديات، لا ينبغي أن نَغفل عنها. الحكم الذاتي الحقيقي Genuine، حسب المصطلح الذي تستعمله الدبلوماسية الأمريكية، هو الذي لا يَمَسُّ السيادة المغربية، أو يوهن منها. والمعركة المقبلة، ستخاض على ثلاثة مستويات، مستوى قانوني، أو “بروفة“ الحكم الذاتي، ودبلوماسي، لحشد الحلفاء وتعبئتهم، وجيوسياسي، حول الخيارات الاستراتيجية، ولا يمكن إلا أن نبارك الخيارات الجيوستراتيجية، وألا ننزعج من أي تحركات، قد تظهر، كرد فعل، لأن للمغرب رصيدا لا يمكن أن يتأثر بأي تحركات طارئة لمغازلة الولايات المتحدة، والانبطاح لها، من أي طرف كان. ينبغي الحفاظ على الاتجاه، كما يقال في اللغة البحرية.
ولكن الاختلاف هو حول الجانب القانوني، وهو بالضبط حول المنهجية “لتنزيل“ الحكم الذاتي، فهل يا تُرى يُقدّم المغرب نصا “مُحيّنا“، وفق “مقاربة تشاركية“، ونستطيع أن نَجزم منذ البداية، أن البوليساريو سيرفضه، شكلا ومضمونا. فما الجدوى من تقديم نص نعرف مآله. أم أن المقاربة، هي الاتفاق حول الإطار العام، شريطة أن يتم تنزيل مضامينه نتيجة مفاوضات.. وبذلك يكون حقا، حقيقيا، ومُرضيا للطرفين، أو فلنقل للأطراف. بل ربما ينبغي البدء من النهاية، قبل الشروع في تضمين مضامين نص الحكم الذاتي، وهو الاتفاق حول المعنيين، وإحصاؤهم، ثم حول نزع السلاح. وما جدوى تقديم نص، إذا رفض تنظيم البوليساريو نزع السلاح.
ينبغي أن نتهيأ لكل السيناريوهات، في أفق تنزيل الحكم الذاتي. هل يمكن ترك إخوان لنا، في المناطق الجنوبية، لم يجادلوا في مغربية الصحراء، أو انتهوا بالرجوع إلى حضن الوطن، “لأريحية“ البوليساريو، يتصرف معهم، كما لو هم “حَرْكيين“ حتى بعد صدور عفو عام. لم يعصم العفو العام الذي صدر بمقتضى اتفاق إيفيان في الجزائر، من أعمال الثأر ضد من سُموا بالحرْكيين، وضد «الأقدام السوداء»…
من الحيف حقا، أن يحتكر البوليساريو الحديث باسم أبناء الصحراء، ومن القصور ألا يُنظم أبناء الصحراء، من غير البوليساريو، أنفسهم ليدافعوا عن خياراتهم، ومصالحهم. هناك عنصر محدد في تاريخ النزاع حول الصحراء، قبل 31 أكتوبر، وهو الإجماع الوطني، وهي الصخرة الصلدة التي انكسرت عليها كل المناورات والحسابات، وينبغي أن يبقى هذا العنصر بعد 31 أكتوبر. ولا تكفي فيه العواطف الجياشة، على أهميتها. لا ينبغي أن نعتقد كما يقول المثل المغربي، أننا «قطعنا الواد، ونشفو رجلينا»، ومن الحزم سوء الظن، كما يقال.
حسن أوريد
مستشار علمي بهيئة التحرير










































