هل يمكن أن ينصرف تدبير المواطنين للآني فقط؟ أم أن الحوكمة، (وهي الصيغة الأسلم لغويا، على قياس فعولة (هرولة، مهزلة)، من كلمة حكامة السارية)، لا بد أن تنصرف للمستقبل، وعلى المسؤول، وبالأخص في الإدارة الترابية، أن يتحلى برؤية استباقية في تدبير الشأن العام، أي أن يتوقع المشاكل قبل أن تقع. لقد أضحى أسلم السبل لتدبير مسار إداري هو «هنّيني نهنيك، واللي بغا يربح العام طويل، ونهزها منين خفافت»، والدليل أن من أبدى رؤية استباقية، أو تبصرا ما، أو مبادرة، عصفت به “دكاكة“ الإدارة، ولذلك فشا أسلوب في الإدارة يغلب عليه المسار وليس النتيجة، والمسطرة عوض الأداء، وكان من أكبر تداعيات هذا التواكل تأخر منارة المتوسط في الحسيمة، وهو الأمر الذي خصه جلالة الملك، في خطاب العرش لسنة ،2018 بتشخيص دقيق لوضع الإدارة المغربية، والتهاون الذي يطبعها.
مناسبة هذه المقدمة الطللية، هي الكارثة التي وقعت في فاس بسقوط عمارة من بناء عشوائي ووقوع ضحايا، وبعدها بأيام، ضحايا جراء الفيضانات التي عرفتها أسفي قُدر عددهم بالعشرات، وهي كارثة وطنية، ولعلها الأكبر في تاريخ الفيضانات ببلادنا، وفي مدينة متوسطة، تتوافر على تجهيزات ضرورية لمدينة، من صرف للمياه، وطرق، ووسائل الوقاية المدنية.
والحادثتان، الأولى والثانية، تبينان عن خلل في الحوكمة، وعجز في الاستباق، لأن الكارثة في الحالة الأولى والثانية، ليستا قدرا، ولو أبانت الإدارة الحزم في التصدي للبناء العشوائي، لما زاد صاحب العمارة طابقين من دون ترخيص، ولو عبرت عن العزم في عدم السماح للبناء في المناطق المحرمة، والتي تقع في مجاري الأنهار، وتنقية مجاري الصرف، لما وقعت الكارثة في أسفي. كل خطاب يزعم النجاعة، ويتدثر بلغة الأرقام، يصبح لاغيا أمام عناد الواقع، وبالأخص حين يسفر عن ضحايا، وبهذا الحجم، سواء في حالة عمارة فاس، وفيضانات أسفي.
المؤسف أننا لسنا أمام شيء طارئ، بل متكرر، إن لم نقل بنيويا، من خلال كوارث ناجمة عن تقصير، وعجز في الاستباق، ومنها سقوط عمارة المنال في القنيطرة سنة ،2008 نتيجة غش في مواد البناء، وسقوط مسجد باب بردعين بمكناس سنة ،2010 ولم يكن سقوط المسجد قدرا مقدرا لو لم يتم إيقاف برنامج تأهيل المدينة العتيقة، واستمِع لتحذيرات من المواطنين الذين كانوا يترددون على المسجد، وبعض الإداريين الصغار… أكتفي بعد الحادثة بالقول، على مستوى حكومي، إنه قدر لله، و لا راد لقدره. كل شيء بقدر لله، ولكن القدرة الإلهية لا تعطل قدرة الإنسان، ولا تعفيه من المسؤولية.
كل ما قيل ونشر عن كارثة آسفي من تحليلات تتسم بالموضوعية، تظهر أن الكارثة لم تكن قدرا مقدرا، وأن العجز في رؤية استباقية، وتهاون في منح تراخيص، ومحاباة جهات، والتغاضي عن تجاوزات، كلها كانت وراء الكارثة، وقل نفس الشيء عن كارثة فاس. وهل كانت سيغيب عن مقدم، وخليفة وقايد وباشا، اختلالات ظاهرة، وهم خدام العين التي لا تنام، وتقف على من أدخل كيس إسمنت إلى بيته، وتطالبه بالرخصة.
لا تكفي الخطب ولا الأرقام أو الإقناع الذاتي. ولعلي أذكر ببعض ما ورد في خطاب جلالة الملك، في 12 أكتوبر ،1999 حين تحدث عن المفهوم الجديد للسلطة، وأهاب بمسؤولي الإدارة الترابية ألا يعتكفوا في مكاتبهم، والخروج من المكتب لا يعني مجرد الخروج المادي، ولكن رؤية ما يُرى، أي المعاينة، وما لا يُرى، أي الاستباق.
نستشعر شعورا بالفخار لتنظيم كأس إفريقيا للأمم، ودقة التنظيم، وضخامة الإنجازات. لكن لا ينبغي أن ينصرف اهتمامنا للاستحقاقات الدولية، ونذهل عن شؤون المواطنين اليومية.
من معايير تقدم الأمم هو في قدرتها التعامل مع الكوارث الطبيعية، من خلال أولا قدرتها الاستباقية، وثانية قدرتها على تعبئة الوسائل للتصدي لها، لكن أهم عنصر هو الاستباق .ولقد أحسنت الدولة صنعا حينما اشترت طائرات “كانادير“ ضد الحرائق، ولم تعول على مساعدات إسبانيا، وكان قرارا استباقيا موفقا …ولكن هذه الرؤية الاستباقية ينبغي أن تكون أسلوب عمل في كل مستويات الإدارة.
لا تكفي حملات وعيد موسمية، وبأسلوب فج، لأن للإدارة أداة تعفيها من الوعيد، والإغلاظ في القول، وهي القانون. وما يطلب منها هو تطبيق القانون، وتفعيل المفهوم الجديد للسلطة، لأنه، أمام العجز في تدبير شؤون المواطنين، أضحى مجرد شعار.
حسن أوريد
مستشار علمي بهيئة التحرير










































